فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 177
القضيّة الخامسة:* فَرِيقًا هَدى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ.
في هذه الآية تصوير موجز لما سوف ينتهي إليه الأمر يوم الدين، بعد الحساب، وفصل القضاء، بين بني آدم الّذين وضعهم اللّه عزّ وجلّ في الحياة الدنيا موضع الابتلاء، إذ يكونون فريقين:
(1) فَرِيقًا هَدى: أي: فريقا حكم اللّه لهم بالهداية، إذ كانوا قد اختاروا لأنفسهم في الحياة الدّنيا طريق الهداية، فآمنوا بربوبيّة اللّه وإلهيّته، وأعلنوا إسلامهم له، ولم يشركوا به شيئا.
(2) وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ أي: ثبت عليهم أنّهم كانوا قد اختاروا لأنفسهم في الحياة الدّنيا طريق الضلالة، فلم يحقّقوا أدنى مطلوب اللّه منهم من إيمان وإسلام، فحكم اللّه عليهم في محكمة العدل يوم الدين بالضلالة فاستحقوا الخلود في عذاب النّار، ولا معقّب لحكم اللّه جلّ جلاله.
إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّياطِينَ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ: أي: إنّهم في الحياة الدّنيا رفضوا ولاية اللّه لهم، فلم يتّبعوا ما أنزل اللّه لهدايتهم، بلّ زيّنت لهم الشّياطين اتّباع الأهواء والشهوات والمحرّمات من زينة الحياة الدنيا، فاتّخذوا الشياطين أولياء لهم من دون اللّه بإراداتهم الحرّة، فغرّتهم الشّياطين بوساوسهم وتسويلاتهم وإطماعاتهم لهم بالباطل من زخرف الأفكار والأقوال. فصاروا يتابعون في مسيراتم خطوات الشياطين آنا فآنا على غير بصيرة، حتّى أوصلتهم إلى حضيض الضلالة، وأدركتهم مناياهم وهم في هذا الحضيض.
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) : أي: ويقع في اعتقادهم أنّهم