فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 194
إنّ الإيمان باللّه خالقا ربّا له كلّ صفات الرّبوبيّة، أوّل الحقائق والمطالب الدينيّة، ويقترن بها تفرّده بهذه الرّبوبية إذ لا يوجد ربّ غيره.
وقد قام على تفرّد اللّه بالرّبوبيّة وبالوجود الأزليّ دليل العقل، المستند إلى الظاهرات الكونيّة، ودليل الخبر عن اللّه الذي جاء به كلّ أنبياء اللّه ورسله، منذ عهد آدم حتّى خاتم المرسلين محمّد بن عبد اللّه صلى اللّه عليه وسلم.
فمن جعل مع اللّه شريكا له في ربوبيّته من أحياء أو أشياء، أو قوانين سببيّة، فقد كذب على الحقيقة، وكذّب أخبار المرسلين، وظلم حقّ ربّه عليه، فهو بشركه من الكافرين. وأشدّ منه كفرا وظلما من أنكر وجود الرّبّ الخالق، أو أنكر بعض صفات ربوبيته الّتي هي صفات الكمال المطلق.
وبعد الإيمان باللّه ربّا لا شريك له في ربوبيّته، تأتي الحقيقة الثانية، وهي الإيمان بإلهيّة الرّبّ الخالق، وبأنّه لا شريك له في إلهيّته.
فاللّه وحده هو الذي له على عباده حقّ أن يعبدوه، ولا يشركوا بعبادته أحدا، ولا يشركوا بعبادته شيئا.
وقد قام دليل العقل، ودليل الخبر عن اللّه، على هذه الحقيقة الثانية.
* أمّا دليل العقل، فمن بدهيّات العقول، أنّ من أنعم بشيء على غيره، كان له حقّ اعتراف المنعم عليه بذلك.
وأنّ من كان هو الخالق الموجد من العدم، كان من حقّه على المخلوق أن يخضع له ويطيعه، لأنّه ملكه، فإذا كان هو الممدّ له بالبقاء وبالنّعم الجليلة، وبالتكريم والتفضيل على كثير ممّا خلق، فإنّ من حقّه عليه أن يقابله بالشّكر ولو ضمن الحدود الدّنيا.
هذه هي العناصر الأولى لعبادة المخلوق لخالقه، فالواجب البدهيّ على المخلوق أن يكون عابدا لخالقه ورازقه والمنعم عليه عبادة إراديّة.