فهرس الكتاب

الصفحة 2290 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 196

ومن كان لديه خبر صحيح صادق عن رسول من رسل اللّه، يثبت بيقين أنّ للّه شريكا في ربوبيّته، أو في إلهيّته، فإنّه يعفي نفسه أيضا من المؤاخذة عند ربّه.

أمّا من ترك برهان العقل، والثابت من النقل عن اللّه عزّ وجلّ، واعتمد على الأوهام، وعلى ما لا يصلح لأن يكون دليلا، واتّبع الكذّابين، والمخرّفين، والموسوسين من شياطين الجنّ والإنس، فإنّه يعرّض نفسه للإدانة، بأنّه من المشركين الكافرين، وبأنّه يستحق أن يكون في جهنّم دار العذاب يوم الدّين، مع الخالدين في العذاب المهين.

فمع أنّ الأمر يتعلّق بحقّ اللّه عزّ وجلّ على عباده، في ربوبيته، أو في إلهيّته، فإنّ اللّه تعالى لم يجعله أمرا تحكّميّا، وإنّما جعل له براهين عقليّة وعلميّة، وقد آتى اللّه عزّ وجلّ النّاس وسائلها، فهو يحاسبهم بمقتضاها، ويطالبهم أن يستندوا إليها، ومكّنهم من أن يحاجّوا بها.

هذه هي منطقيّة دين اللّه الإسلام، إنها تقوم على مقولة:"قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ"* ولا تقوم على مثل مقولة النصارى:"اعتقد وأنت أعمى".

على أنّ اللّه جلّت حكمته، وعظم سلطانه، لو أمرنا أن نعبد بعض خلقه، لكان يجب علينا أن نطيع أمره.

لكنّ حكمته العليّة قضت بأن يفرد نفسه بالعبادة، لئلّا يكون الشّرك في العبادة دليلا على الشّرك في الرّبوبيّة، وعندئذ ينتقض أصل التوحيد، الّذي هو قاعدة الامتحان الكبرى، في الإيمان بالغيب، بأدلّته البرهانيّة العقليّة، وهذا أمر يتنافى مع كمال الحكمة الرّبانيّة، فهو لا يكون.

الكلّية الخامسة: أن يتقوّل العباد على اللّه ما لا يعلمون أنّه من عند اللّه حقّا وصدقا، ولو بغلبة الظنّ.

دلّ على هذه الكليّة قول اللّه عزّ وجلّ في الآية:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت