معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 199
فأنزل اللّه عزّ وجلّ هذه الآية (34) في أثناء الدرس الثالث، فأبان فيها أنّ آجال إهلاك الأمم الكافرة، الّتي كذّبت رسل ربّها، وأكثرت الفساد في الأرض، آجال مقترنة بتحديد من اللّه عزّ وجلّ على وفق حكمته.
إنّ إنزال الإهلاك العامّ الشّامل في الأمم يلاحظ فيه أحوال عموم الأفراد، متبوعين وتابعين، قادة ومقودين، ولا يلاحظ فيه أفراد القادة فقط، أو أفراد منهم مع بعض أتباعهم.
فاستبطاء نزول العقاب الشامل، بعد التهديدات المتكرّرات، أمر يدلّ على قصر النّظر، والجهل بحكمة اللّه عزّ وجلّ في تربية الأمم، وتصاريفه في عقابهم، أو إمهالهم حتّى آخر قطرة زمنيّة يقترن بها في علم اللّه، أنّ الأمّة ما زالت فيها بقيّة لم ينقطع معها ترقّب استجابة بعض أفرادها لدعوة الخير، ودخولهم في دين اللّه.
وحين يعلم اللّه عزّ وجلّ، أنّ الإمهال غير ذي جدوى بالنسبة إليهم، فإنّه يقضي بإهلاكهم، وينزل بهم معجّل العقاب الشامل.
التدبر:
* وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ: أي: ولكلّ أمّة قضى اللّه بحكمته أن يهلكها إهلاكا عامّا شاملا أجل محدّد بقضائه وقدره لإهلاكها.
كلمة أُمَّةٍ تطلق في الاستعمال القرآنيّ على كلّ مجموعة حية تجمعها صفات وخصائص، أو روابط متميّزة.
فكلّ أمّة من النّاس أرسل إليها رسول ليبلّغها رسالة ربّها، فهي أمّة بلاغ ذلك الرّسول. ومن أجابه منهم واتّبعه فهم أمة الإجابة، ومن قام بواجب الدعوة، إلى دين اللّه من اتّباع الرّسول فهم أمّة الدّعوة. ومن قام بواجب الجهاد في سبيل اللّه منهم فهم أمّة الجهاد.