معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 202
* إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ: إِمَّا حرف شرط مركّب من"إن"الشرطيّة، و"ما"المضافة لتأكيد معنى الشرط، واصطلح النحاة على تسميتها زائدة، أي: لغرض التأكيد.
وفعل الشرط في عبارة: يَأْتِيَنَّكُمْ وجواب الشّرط في عبارة: فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ.
تضمّن هذا البيان أنّ اللّه عزّ وجلّ قد وعد بني آدم الأولين، بأنّه سيرسل لهم ولذراريهم ولأجيالهم القادمة من بعدهم رسلا، يبلّغونهم، هدى ربّهم لهم، المشتمل على أوامره ونواهيه، ووصاياه، وشرائعه، وأحكام دينه الذي اصطفاه لهم، ووعده، ووعيده، وأخباره، وبياناته، في آيات ينزّلها عليهم.
وهذا الوعد يتضمّن عن طريق اللّزوم الذّهني، أنّ أجيالهم ستتعرّض لنسيان الدّين الّذي بلّغهم إيّاه أبوهم آدم عليه السلام، وستتعرّض للخروج عن صراط اللّه المستقيم، في عقائدهم، ومفهوماتهم، ومنهاج حياتهم، حتّى يكونوا بحاجة إلى إرسال رسل من عند اللّه، يبلّغونهم من جديد عناصر الدّين الذي نسوه أو ضيّعوه، ويأمرونهم بترك ما ظهر في مجتمعاتهم من انحرافات عن دين اللّه، وبالعودة إلى صراط اللّه المستقيم، ويضيفون إلى التعليمات السّابقات بأمر اللّه بعض الأحكام الدّينيّة الّتي صارت مجتمعاتهم بحاجة إليها، مراعاة لسنّة التّطوّر البشريّ التكامليّ، في تنامي التصرّفات الفرديّة، وتزايد وتشابك العلاقات الاجتماعيّة.
وأبان اللّه عزّ وجلّ لبني آدم منذ نشأتهم الأولى، أنّ الرّسل الّذين سيرسلهم لأجيال بني آدم في قرونهم الآتيات هم منهم، أي: أفراد بشر من ذرّيّة آدم، لا ملائكة ولا جنّ، دلّ على هذا قول اللّه تعالى: إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ.