معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 203
وقد أكّد اللّه عزّ وجلّ هذا النبأ بنون التوكيد الثقيلة، ليضعوا في ذاكراتهم دواما، أنّهم إذا انحرفوا ونسوا تعاليم الدّين، بعث لهم رسلا بشرا منهم، يجدّدون لهم ما كانوا قد أبلوه من الدّين، بالانحراف والتحريف والنسيان، مع ما يضيفه اللّه تبارك وتعالى من بيانات تكامليّة، في مسائل الدين وقضاياه.
وقبل بعثة محمد صلى اللّه عليه وسلم أخذ اللّه الميثاق على الرّسل وأتباعهم أن يؤمنوا بالرّسول الخاتم، ويتّبعوه متى بعثه اللّه.
وبإرسال اللّه عزّ وجلّ رسوله محمّدا صلى اللّه عليه وسلم ختم الأنبياء والمرسلين، وأكمل بما أنزل عليه الدّين، وتكفّل بحفظ كتابه من أيّ تحريف أو تبديل، أو ضياع أو نسيان، فتمّت بذلك مقتضيات الحكمة الرّبّانيّة، وتمّ تدبير أمر دين اللّه لعباده، على أحسن وجه وأكمله.
* يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي: يقال لغة: قصّ عليه الخبر، أي: حدّثه به على وجهه، بتتبّع عناصره، دون تحريف أو تبديل. وتقول: قصصت الشّيء، إذا تتبّعت أثره شيئا فشيئا.
والمعنى: أنّ الرّسل الذين سأرسلهم إليكم منكم في تتابع أجيالكم يا بني آدم، سيقصّون بتتبّع كامل، تالين عليكم آياتي البيانيّة، الّتي سأنزلها عليهم، فهم يبلّغونكم إيّاها، وسيتتبّعون آياتي الكونيّة فيرشدونكم إليها.
وفي الآيات البيانيّة المنزّلات الّتي يقصّها عليكم رسلي، أوامر ونواهي وتكاليف، ووعيد لمن خالف وعصى، ووعد بثواب عظيم لمن اتّبع وأطاع.
* فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) :
أي: فمن اتّقى بإيمانه وإسلامه الخلود في عذاب النار، ومن أصلح فأتى من العمل بما هو صالح، وأصلح نفسه وعمله ممّا يتعرّض له من فساد بالتّوبة والعمل الصالح، فثوابه عند ربّه يوم الدّين أن لا يخاف من عقاب وعذاب، وأن لا يحزن على أمر فاته.