معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 27
وَناداهُما رَبُّهُما أَلَمْ أَنْهَكُما عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُما إِنَّ الشَّيْطانَ لَكُما عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) .
وأبان اللّه عزّ وجلّ فيها أنّه قد خاطب بني آدم جميعا بقوله:
يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ ... (27) .
فدلّ هذا على أنّ جميع الرّسالات الرّبّانيّة قد اشتملت على هذا التّحذير.
أمّا البدء بجملة"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ"بعد الاستعاذة باللّه السّميع العليم من الشيطان الرجيم، فيعمّ كلّ ما يصلح أن يقصد شرعا، كالاستعانة والتّبرّك والتمجيد، أي: باسم اللّه أستعين في أمري، أو أتبرّك، أو أمجّد باسم اللّه مع بدء أمري وعملي.
وعلّمنا اللّه أن نقول: باسم اللّه، لا أن نقول: باللّه، إشارة إلى أنّ حظّ عقولنا وأفكارنا من اللّه أن نتفكّر في أسمائه وصفاته، لا أن نتفكّر في ذاته، أو أن نسعى لإدراك شيء منها، فبيننا وبين إدراك ذاته تعالى أو شيء منها حاجز العجز الكامل.
أمّا ما نستطيعه فمحصور في التفكّر في أسمائه وصفاته، وأسماؤه غير اسم الذّات وهو لفظ الجلالة (اللّه) كلّها من صفاته عزّ وجلّ، وحسبنا أن ندرك قدرا من صفات اللّه عزّ وجلّ.
فحظّنا منه تبارك وتعالى هو حظّنا من صفاته، من قدرته، من علمه، من إرادته، من حكمته، من عدله، من فضله، من رحمته، من عفوه، من غفرانه، من كونه رازقا محييا مميتا، محاسبا، وقاضيا بين عباده، ومجازيا لهم، وفعّالا لما يريد.
فما لنا وللبحث في ذاته الّتي لا سبيل في الحياة الدّنيا إلى إدراك شيء منها.