معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 210
التدبر:
* قول اللّه عزّ وجلّ:
فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ أُولئِكَ يَنالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتابِ حَتَّى إِذا جاءَتْهُمْ رُسُلُنا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قالُوا أَيْنَ ما كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كانُوا كافِرِينَ. (37)
في هذه الآية تفريع ملائم للخطّ الفكري الأعظم، الممتّدّ من أوّل السّورة حتى آخرها، وهو خطّ استمرّت تتوارد عليه بيانات وأفكار ومفهومات لها علاقة به.
الافتراء: اختلاق الكذب عن عمد، يقال لغة: افترى الحديث، أو الخبر، أو نحوهما، أي: اختلقه كاذبا عامدا.
ويقال: فرى فلان الكذب يفريه، أي: اختلقه واصطنعه كاذبا، والاسم منه:"الفرية"وجمعها:"الفرى".
وأصل معنى الفري في اللّغة: قطع الجلد، ومنه سمّي قطّاع الجلود"فرّاء".
في هذه الآية يبيّن اللّه عزّ وجلّ أنّ افتراء الكذب على اللّه، والتّكذيب بآيات اللّه، يقعان في مستوى أشدّ أنواع الظّلم، فلا يوجد بعدهما أشدّ منهما، ولكنّ هذا لا يمنع من وجود ظلم آخر هو في دركتهما من الخسّة والإجرام.
فَمَنْ أَظْلَمُ؟: استفهام عن وجود الأظلم، وهذا الاستفهام يشعر بأنّه لا يوجد أظلم ممّن افترى على اللّه كذبا، أو كذّب بآياته.
وقد جاء في القرآن مثل هذا التعبير بالنسبة إلى من ذكر بآيات ربّه ثمّ أعرض عنها، وبالنّسبة إلى من منع مساجد اللّه أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها، وبالنسبة إلى من كتم شهادة عنده من اللّه.