فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 225
وجاءت العبارة بأسلوب تمثيل أدبيّ، لتأكيد عدم احتمال دخولهم الجنّة، كيف يدخلون جنّة اللّه الّتي أعدّها للمؤمنين المتقين، وهم قد كذّبوا بآيات اللّه، واستكبروا على طاعة اللّه، واستنكفوا عن العمل بها.
حَتَّى يَلِجَ: أي: حتّى يدخل، تقول لغة: ولج الشيء في غيره يلج لجة وولوجا، أي: دخل فيه. وتقول: ولج البيت، إذا دخله، فهو والج.
الْجَمَلُ: هو الحيوان المعروف من بهيمة الأنعام.
فِي سَمِّ الْخِياطِ: أي: في ثقب الإبرة الّتي تخاط بها الثياب عادة.
إنّ من أساليب بيان استحالة وقوع شيء ما، أو التأكيد على أنّه لن يقع ولو لم يكن مستحيلا في ذاته، تعليقه بأمر مستحيل في ذاته، أو مستحيل بمقتضى القانون العامّ للأسباب والمسبّبات.
ومن المعلوم أنّ من المستحيلات أن يدخل هذا الحيوان العظيم المعروف باسم الجمل، وهو على وضعه وعظمه، دون تغيير في خصائصه وصفاته الجسديّة والنّفسيّة، في ثقب الإبرة التي يخيط بها الخيّاط من النّاس الثياب، مع بقائها على وضعها، وبقاء ثقبها على مقداره كما هو معروف عند الناس.
فاللّه عزّ وجلّ يخاطب النّاس في هذا النّصّ بحسب ما يعرفون من الجمل وصفاته، وبحسب ما يعرفون من الإبرة وصفاتها ومقدار ثقبها.
وكلّ تأويل احتماليّ يعتمد على تغيير في صفات الجمل المعروف، وصفات الخياط المعروف، هو من التلاعب في دلالة النّصّ، وهو مرفوض عقلا وشرعا، فقد أثبتت النّصوص القرآنيّة الكثيرة أنّ الكافرين خالدون في دار العذاب النار، وخلودهم فيها يقتضي حتما أنّهم لا يدخلون الجنّة بحال من الأحوال.
ولهذا البيان القرآنيّ نظائر كثيرة في استعمالات النّاس الأدبيّة، وفي