فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 261
أقول:
لنضرب مثلا تاجرين سافرا من بلدهما، وحملا معهما رأس مالهما كلّه، لم يدعا منه شيئا، وانطلقا في رحلة تجاريّة إلى بلد بعيد ناء جدّا، وإقامتهما في هذا البلد إقامة قليلة محدودة بحدود ما يشتريان به بضاعة تجاريّة، يمكن أن يحقّق كلّ منهما فيها ربحا يقدّر بآلاف آلاف الأضعاف وفوق ذلك، إذا شحناها إلى بلدهما، الّذي هو مكان إقامتهما الدّائمة الباقية.
أمّا أحدهما، فوجّه اهتمامه وعنايته لجمع النّفائس الّتي يتحقّق بها ربح عظيم، تبلغ الذّرّة التي بذلها في الشّراء قناطير مقنطرة ربحا عند البيع.
فجعل يشتري منها، ويشحنها إلى بلده تباعا مضمونة الوصول.
وأمّا الآخر، فوجد في بلد الرّحلة التجارية ذات الإقامة المحدودة جدّا، والقصيرة جدّا، مدينة ألعاب وملاهي ومساخر، وفيها دور رقص وغناء، وأماكن تسلية وضحك، وحانات خمر وفجور، وفيها بعض أماكن لتناول ملذّات المآكل والمشارب وغيرها.
وفي مدينة الألعاب والملاهي هذه ما يستهلك كلّ مدّة إقامته، وكلّ رأس ماله، فدخل إليها، وأنفق رأس ماله فيها، وشغل كلّ مدّة إقامته داخلها، ولم يوجّه اهتمامه لجمع ما يشحنه لبلده من سلع تجاريّة ذات ربح عظيم، وإن جمع شيئا ما صادفه عرضا فهو شيء قليل القيمة لا يحقّق له ربحا.
أفلا يصحّ أن يقول أهل البصر العقلاء: إنّ هذا الرّجل قد غرّته مدينة الألعاب والملاهي، عمّا سافر من أجله، فقضى رحلته فيها، وعاد إلى بلده خائبا خاسرا فاقدا رأس ماله؟!!
هكذا نحن في الحياة الدنيا، إنّ رأس مالنا فيها عمرنا وطاقاتنا،