فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 265
فَالْيَوْمَ: الفاء لترتيب الجزاء على العمل، ومعنى التعقيب بالفاء يراد به هنا التعقيب على فصل القضاء بالإدانة، والمراد باليوم يوم الدّين.
نَنْساهُمْ: أصل النسيان في اللّغة التّرك، تقول لغة نسى فلان الشّيء ينسوه نسوة، إذا تركه. ويكون هذا النسيان تركا بدون تعمّد وقصد، ويكون تركا بتعمّد وقصد، ومن التّرك المتعمّد الإهمال وعدم الاكتراث.
ويأتي النسيان ضدّ الذّكر والحفظ للشّيء في الذّاكرة، بمعنى أنّه كان مذكورا ومحفوظا، فغاب عن الذاكرة. وهذا المعنى هو المشهور بين النّاس، ومن المستحيل عقلا وشرعا أن يتّصف اللّه عزّ وجلّ به.
قال ثعلب من أئمة اللّغة في قول اللّه عزّ وجلّ: نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ لا ينسى اللّه عزّ وجلّ، إنّما معناه تركوا اللّه فتركهم، فلمّا كان النّسيان ضربا من التّرك وضعه موضعه.
وجاء في التهذيب أنّ المعنى: تركوا أمر اللّه فتركهم اللّه من رحمته.
وجاء فيه أيضا تفسيرا لقوله تعالى: كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى، أي: أتتك آياتنا فتركتها (أي: لم تؤمن بها ولم تعمل بما جاء فيها من أحكام ووصايا وتكاليف) فكذلك تترك في النار (أي: فلا تخرج منها، ولا يستجاب لطلب مهما دعوت وتضرّعت) .
وبناء على هذا المعنى اللّغويّ نستطيع أن نفهم معنى قول اللّه عزّ وجلّ: فَالْيَوْمَ نَنْساهُمْ كَما نَسُوا لِقاءَ يَوْمِهِمْ هذا دون إشكال ما.
أي: ففي هذا اليوم الذي هو يوم الدّين نتركهم ونترك إجابة طلبهم إذ يطلبون تخفيف العذاب عنهم، أو إفاضة شيء من ماء الجنّة عليهم، أو شيء من الرّزق الوفير الذي يتنعّم به أهل الجنّة، كما تركوا الاستجابة لدعوة الحقّ الرّبّانيّة الّتي جاءهم بها رسل ربّهم، وتركوا العمل ليوم الدّين، كأنّ أمر دين اللّه لعباده لا يتعلّق بهم، فلا يهمّهم، واندفعوا يرتكبون