معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 269
تمهيد
يجمع هذا النّصّ بين تصوير حال الكافرين بكتب اللّه المنزّلة من أهل القرون السّابقة لبعثة الرّسول محمد صلى اللّه عليه وسلم، وتصوير حال الكافرين بالقرآن بعد بعثته، بعد أن قدّم قبله لقطات من أحوالهم وهم في عالم الجزاء في الحياة الأخرى، تصويرا لما سوف يكون عليه شأنهم، كأنّه أمر واقع منجز تجري أحداثه.
إنّ هذا التنقّل والتراوح في البيان بين عالم الابتلاء وعالم الجزاء، على سبيل التّعاقب في النّصّ القرآني، والتّنقّل بين المشاهد، من موقف الحساب إلى مستقرّ الجزاء، إلى غير ذلك من مشاهد ومواقف أخرويّة، فإلى الحياة الدنيا، وما فيها من أحداث، أو إلى ما تستدعي الحكمة التعليميّة أو التربويّة من خطاب، حتّى كأنّ الزّمن كلّه ماضيه وحاضره ومستقبله في لوحة واحدة، تتنقّل عليها عدسات التّصوير أو الإعلام البيانيّ، حسب مقتضيات الإثارة ولفت النّظر وشدّ الانتباه.
إنّ هذا التّنقّل والتراوح التّعاقبيّ المفاجئ، دون مقدّمات تشتمل على إشعار بالانتقال، هو من الإبداع الفنّيّ الّذي لم يكن معروفا في فنون الأدب من قبل القرآن المجيد.
فمن الملاحظ في طائفة من النّصوص القرآنيّة، أنّ النّصّ بينما يكون جاريا على أسلوب مخاطبة الناس وهم في عالم الابتلاء الدّنيوي، إذا به ينتقل مفاجأة إلى مشهد من مشاهدهم وهم في عالم الجزاء الأخروي، فإذا به يفاجئ بالحديث عنهم وهم في عالم الابتلاء الدنيوي، مع التنويع في الأساليب، والتّغيير في منهج الخطاب، الأمر الّذي يشدّ الفكر من أعماقه لدى من هو حريص على تلقّي المعرفة، وتذوّق جمال البيان، وروعة الكلام البليغ، فهو بسبب ذلك يتابع التدبّر بنشاط، على خلاف النّمطيّة