معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 271
في الآية التالية (53) من قول الكافرين جميعا، وهم في دار العذاب:
لَقَدْ جاءَتْ رُسُلُ رَبِّنا بِالْحَقِّ .... (53)
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ من صفات الكتاب الّذي جاء النّاس به ثلاث صفات عظمى:
الصّفة الأولى: دلّ عليها قول اللّه تعالى متحدّثا بضمير المتكلّم العظيم:
فَصَّلْناهُ عَلى عِلْمٍ: فصّلناه: أي: بيّنّاه، يقال لغة: فصّل يفصّل تفصيلا، أي: بيّن يبيّن تبيينا. وأصل التفصيل التّمييز، بفصل الشيء عن شيء آخر، والتّفصيل في المعاني يكون بتمييزها، وفصل بعضها عن بعض، وإعطاء كلّ منها حكمه، وهذا غاية البيان لحقائق المعارف.
ومستند هذا التفصيل التّمكّن الكامل من العلم بحقائق المعلومات، كلّيّاتها، وجزئيّاتها، كبارها وصغارها، حتّى دقائقها الدّقيقة البالغة الغاية في الدّقّة، وجاء قوله تعالى: عَلى عِلْمٍ مشيرا إلى مستند هذا التفصيل. أي:
فصّلناه تفصيلا دقيقا مبنيّا أو قائما على علم، فالعبارة صفة لمفعول مطلق محذوف، وهذا في نظري أجود في التّدبّر من اعتبار: عَلى عِلْمٍ حالا من الفاعل، بمعنى فصّلناه عالمين، أو حالا من المفعول، بمعنى فصّلناه مشتملا على علم.
وقد استدعى البيان ذكر هذا القيد: عَلى عِلْمٍ لأنّ الباحثين من النّاس قد يفصّلون معارفهم، لكنّ تفصيلهم لا يكون قائما على علم بحقائق الدّقائق، فتضيف تفصيلاتهم جهالات وأحكاما باطلة في القضايا الجزئيّة، إلى جهالات وأحكام باطلة في القضايا الكلّيّة، وبذلك تتراكب الجهالات وصور الباطل، مع الإيهام بالتفصيل الكثير أنّها حقائق قائمة على العلم بالدقائق.