معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 288
وأحسن بيان حول الاستواء الذي وصف اللّه عزّ وجلّ به نفسه، ما قاله الإمام مالك رحمة اللّه:"الكيف غير معقول، والاستواء غير مجهول، والإيمان به واجب، والسّؤال عنه بدعة".
العرش: مخلوق أعظم فوق السماوات السّبع، ومحيط بها.
* يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا: أي: يجعل اللّه النّهار يغشى اللّيل فيستر سواده بنوره، والمراد بالنهار ضياء الشّمس الّذي يمتدّ على الأرض، فيحدث به ما يسمّى بالنّهار.
فعل [يغشي] ينصب مفعولين وهو بمعنى"يغطّي ويستر"تقول: غشي النّهار اللّيل، إذا ستره، وأغشى اللّه اللّيل النّهار، أي: جعل النّهار يستر اللّيل.
وحين نتفكّر في حقيقتي اللّيل والنّهار، نجد أنّ اللّيل مظهر من مظاهر غروب ضياء الشمس عن الأرض، فتعمّ بانعدام ضياء الشّمس الظلمة الّتي نسمّيها بعد غروب الشّمس ليلا.
وهذا يدلّ على أنّ الظّلمة هي الأصل في الأشياء، وأنّ الضّياء أو النّور هو الّذي يغشى الظّلمة فيجلّلها ويسترها، وكلّما ذهب غطاء الضّياء أو النّور وجدت الظّلمة في الأشياء، لأنّها هي الأصل فيها. ولمّا كان مصدر الضّياء في الأرض خلال النّهار آتيا من الشّمس، إذ تكون مواجهة لقسم منها، وكانت الأرض ذات ظلمة ذاتيّة مستمرّة فيها، إلّا إذا وصل إليها ضياء أو نور من جهة ما، وهذه الجهة ذات ضياء أو نور، كان علينا أن نفهم أنّ النّهار هو الّذي يغشى اللّيل فيستره ويغطّيه، لأنّ الغشاء هو الغطاء السّاتر.
هذه الظاهرة الكونيّة هي من آيات اللّه في كونه، وهي تدلّ على علم اللّه العظيم، وحكمته الجليلة في إتقان الخلق، وتدلّ على عنايته بخلقه سكّان الأرض، إذ سخّر لهم اللّيل والنّهار تسخيرا يحقّقون به مصالحهم وكثيرا من شؤون حياتهم في الأرض.