معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 290
والدّهور. كان من البراعة في الأداء البيانيّ تصوير أنّ النّهار هو الّذي يطلب اللّيل دواما مسرعا جادّا، ليغشاه فيستره.
فما أبدغ غشيان النّهار لظلمة اللّيل في حركة دائبة دائريّة، لا تخرم أوصافها، ولا مقاديرها.
تبارك من أتقن كلّ شيء صنعا.
* وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّراتٍ بِأَمْرِهِ: أي: وخلق الشّمس والقمر والنجوم، حالة كونها مسخّرات بأمره جلّ جلاله وعظم سلطانه، لأداء وظائفها المفصّلة المبيّنة بقضائه وقدره ضمن مجاري سننه.
التّسخير: جعل الشّيء مطاوعا منقادا بما فطر عليه من طبيعة، لما هو مسخّر له، أو لمن هو مسخّر له، كتسخير الماء والنار والهواء.
وقد تكون مطاوعة المسخّر بالقوّة والتذليل، كتسخير العجماوات للإنسان. وقد تكون بالاختيار الحرّ لما في المطاوعة من مصلحة للمطاوع، كاتّخاذ الناس بعضهم بعضا سخريّا.
ومن المشهود أنّ الشّمس تعمل مسخّرة دواما في حركتها، وبثّ ضيائها إلى الأرض، وإلى القمر لمنافع سكّان الأرض، وأنّ القمر مسخّر دواما في حركته، وبثّ نوره إلى الأرض، وتزايد أهلّته وتناقصها، لمنافع سكّان الأرض، وأنّ النّجوم المشهودة لنا مسخّرات يهتدي بمواقعها وحركتها سكّان الأرض.
إنّ الحياة بكلّ مظاهرها في الأرض مرتبطة أسبابها بضياء الشّمس، وهي مسخّرة بعناية الرّبّ جلّ جلاله وعظم سلطانه تسخيرا عجيبا ضمن نظام دقيق لمنافع الأحياء في الأرض، فلا تخرم نظامها قيد شعرة.
وإنّ القمر مسخّر ضمن نظام دقيق جدّا، لبثّ نوره المتدرّج من