فهرس الكتاب

الصفحة 2390 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 295

وقد اشتمل النّصّ في هاتين الآيتين (55 و56) على بيان أربع قضايا تعليميّة يطالب اللّه عباده باتّباعها، وعلى قضيّة ترغيبيّة وعد اللّه فيها بأن تكون رحمته قريبا من المحسنين.

القضيّة الأولى: دلّ عليها قول اللّه تعالى: ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً:

ادْعُوا: أي: اسألوا واطلبوا، يقال لغة: دعاه يدعوه دعاء ودعوى ودعوا ودعوة، أي: سأله ورغب إليه وطلب منه.

رَبَّكُمْ: أي: اللّه الذي سبق بيان بعض آياته في خلقه، فهو خالقكم والمهيمن عليكم دواما بربوبيّته التي سبق شرحها.

تَضَرُّعًا: التّضرّع هو التّذلّل والخضوع، وأصله من خفض ولد ذات الضّرع كالحمل والفصيل رأسه لضرع أمّه حتّى يرضع من ثدييها، وهي عندئذ تحنّ عليه فيدرّ لبنها.

وَخُفْيَةً: الخفية والخفية بضمّ الخاء وكسرها، الإسرار، فمن أدب الدّعاء للّه عزّ وجلّ أن يكون دعاء في السّرّ، لا في الجهر، لأنّ الإسرار بالعبادة أبعد عن الرّياء المحبط للعمل، ولأنّ اللّه جلّ جلاله عليم بمطالب عباده الخفيّة، سميع لهمساتهم مهما كانت خافتة، لا يخفى عليه من دعائهم شيء، فمن الأدب مع اللّه أن يسارّوه ويناجوه فيما يدعونه به.

والمعنى: اسألوا اللّه الّذي هو ربّكم يمدّكم دواما بعطاءات ربوبيّته، في كلّ أموركم، سواء منها ما تجدون أسبابه مسخّرة لكم بيسر، أم لا تتيسّر لكم أسبابه، فهو خالق الأسباب والمسبّبات، ودعاؤكم له هو أوّل تعبير تلقائيّ عن عبادتكم له، متى صحّ إيمانكم به، وبأنّه مالك كلّ شيء، وبأنّه المتّصرّف بخلقه، وبأنّه لا يكون شيء في الوجود إلّا بأمره وخلقه، أو بإذنه وتمكينه وتسخيره للأسباب، وبهدايته ومعونته.

والعبادة للّه عزّ وجلّ ترجع إلى ثلاثة أصول أساسيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت