فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 299
المتزايدات مع التكاثر البشري، وإقامة مؤسّسات الدّعوة إلى اللّه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومؤسّسات الخدمات الاجتماعيّة.
والنهي عن الإفساد في الأرض بعد إصلاحها يدلّ بمنطوق اللّفظ على النهي عن كلّ عمل يفضي إلى إفساد أيّة منشأة أقيمت لخدمة مصالح العباد على الأرض، كتخريب المساكن لا لإعادة بنائها على وجه أفضل وأحسن، وكتخريب المزارع والمصانع وخزّانات المياه، وكإحراق آبار النّفط، وإفساد الطّرق.
ومن أقبح صور الإفساد في الأرض منع مساجد اللّه من أن يذكر فيها اسمه، والسّعي في خرابها، وإغلاق مدارس التعليم، ولا سيما التعليم الدينيّ، وإلغاء أو حلّ الجمعيّات الخيريّة النافعة.
ويدلّ قول اللّه عزّ وجلّ: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِها بمفهومه من وراء منطوق اللّفظ على الأمر بإصلاح الأرض بكلّ عمل يؤدّي إلى إقامة منشأة مادّيّة أو معنويّة، ذات وظيفة إصلاحيّة نافعة للعباد، في أمور دنياهم وأمور آخرتهم، فأغنى النهي عن الإفساد في الأرض عن الأمر بإصلاحها.
إنّ اللّه جلّ جلاله قد استعمرنا في الأرض، أي: طلب منّا أن نعمرها ونصلح فيها، لدنيانا ولآخرتنا بحسب حاجاتنا، وحرّم علينا أن نأتي إلى ما تمّ إصلاحه منها فنفسده ونخرّبه، دون تحقيق مصلحة أرجح للدّين أو للدّنيا، وإصلاح الأرض إنّما يكون مأمورا به إلزاما أو ترغيبا، إذا كان ضمن منهج اللّه أو ما أذن به لعباده.
أمّا طغاة الأرض وجبابرتها فإنّهم مفسدون غير مصلحين، وكذلك فسّاق النّاس كاليهود فإنّهم مفسدون في الأرض بمؤسّساتهم الفاجرة، كدور الزّنا، وبيوت القمار، والبنوك الربويّة.