معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 311
الطيّب من الأرض ما كان خصيبا حسن الإنبات. والخبيث من الأرض: ضدّ الطيّب. والنّكد: العسر الشحيح القليل النفع.
هذا بيان استدراكي لدفع توهّم أنّ جودة خروج النّبات في الأرض ترجع إلى سبب واحد، هو إنزال الماء من السّماء عليها، واختلاط هذا الماء بها، إذ فيه بيان سبب آخر هو كون الأرض أرضا طيّبة صالحة لخروج النبات الجيّد فيها، فإذا اجتمع السّببان معا، وأذن اللّه جلّ جلاله بتحقيق المسبّب، وهو خروج النبات الجيّد النافع، خرج نبات الأرض جيّدا نافعا.
أمّا إذا كانت الأرض أرضا خبيثة غير صالحة لخروج النّبات الجيّد فيها، فإنّ إنزال الماء الطّهور عليها لا يغيّر طبيعتها، فلا يخرج نباتها إذا خرج إلّا عسرا شحيح العطاء قليل النّفع.
ويعطينا اللّه عزّ وجلّ بهذا البيان قانونا من قوانين سنن اللّه في كونه، وهو أنّ السّبب قد يكون شرطا لازما لتحقّق المسبّب، ولكنّه شرط غير كاف، بل لا بدّ من وجود سبب آخر أو عدّة أسباب، حتّى يتحقّق المطلوب، فكلّ واحد منها شرط لازم غير كاف، بل لا بدّ من اجتماعها حتّى يتكوّن منها جميعا السّبب الكامل لتحقيق النّتيجة المطلوبة.
إنّ رؤية السّبب النّاقص قد تكون رؤية خادعة، توهم أنّه كاف لتحقّق النّتيجة المطلوبة، فتوقع أفرادا كثيرين، وجماعات متعدّدات في ورطات مهلكات، أو محبطات لأعمال جليلات مضنيات.
وفي هذا البيان لفت أنظار المتفكّرين في آثار صفات اللّه في واقع حال الأرض، وكيف جعلها اللّه جلّ جلاله على أقسام، منها الطيّب ومنها الخبيث، ولهما درجات ودركات، فالطيّب منها متفاوت الدّرجات في الطيب، والخبيث منها متفاوت الدّركات في الخبث.
ولدى تصنيف أنواع الأرض من جهة صلاحيّتها للإنبات، وجودتها أو