فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 322
* قول اللّه تعالى:
قالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) :
الملأ: هم كبراء القوم، ورؤساؤهم، وذوو الوجاهة الّذين يملؤون عيون العامّة، وملأ القوم هم اللّسان الناطق عن أنفسهم وعن عامّتهم، إلّا من أعلن خلاف ذلك.
لقد كان هذا ردّ ملإ قوم نوح عليه السّلام، في مقابل دعوته لهم إلى عبادة اللّه وحده، وشفقته عليهم من عذاب يوم عظيم، هو يوم الدّين.
وظاهر أن هذا الرّدّ مشحون بالعنف والغلاظة، وفظاظة المستعلين المستكبرين.
* .. إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (60) : أي: إنّنا لنعتقد اعتقادا جازما مستندا إلى رؤية فكريّة قلبيّة، أنّك في ضلال عن الحقّ وضياع، وضلالك هذا مبين واضح لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه.
تضمّن هذا الرّدّ الفظّ الغليظ الخشن ادّعاءهم أنّه في ضلال مبين واضح، دون تقديم أيّة حجّة، وأكّدوا ادّعاءهم هذا بمؤكّدات دلّ عليها حرف"إنّ"و"الجملة الإسمية"و"لام الابتداء المزحلقة للخبر"، ومضمون الرّؤية الجماعية، إذ قالوا متواطئين: إِنَّا لَنَراكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ.
فِي ضَلالٍ: أي: في داخل ضلال أنت محاط به.
مُبِينٍ: أي: واضح جليّ لا يحتاج إلى إقامة دليل عليه، ولا يحتاج إلى كشف الأستار عنه.
وظاهر أنّ هذا الادّعاء منهم ليس فيه إلّا الشتيمة، ومعلوم أنّ كلّ ادّعاء فيه تجريح واتّهام بنقيصة دون حجّة أو برهان هو من السّباب والشّتائم.
لقد قابلوا دعوته الرّفيقة، المغلّفة برحمته بهم، وشفقته عليهم بالطّعن والشّتيمة، على طريقة السّفهاء المستكبرين في أقوامهم.