فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 323
* قول اللّه تعالى:
قالَ يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) :
اشتملت هذه الآيات الثلاث على بيان الإجابات التي أجاب بها نوح عليه السّلام قومه، مقابل رفضهم دعوته، ومواجهته بالشتيمة، وقذفهم له بأنّه في ضلال مبين.
وفي هذا البيان إيجاز بديع لستّ قضايا، بسطها نوح عليه السّلام في مقالاته الدّعويّة لقومه:
القضيّة الأولى: دلّت عليها عبارة: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلالَةٌ: أي:
يا قوم ليس بي وصف ضلالة ما، لقد شتمتموني بأنّي كالغريق في الضلالة، وأقول لكم في الدّفاع عن نفسي: ليس بي ضلالة ما قليلة أو كثيرة، صغيرة أو كبيرة، فأنا خال وبريء من أيّة ضلالة.
جواب مشبع بالتّهذيب الّذي يتحلّى به الدّعاة إلى اللّه، المحاطون بعناية اللّه، الملتزمون بمقتضيات الحكمة في الدّعوة.
لقد دفع نوح عليه السلام الاتّهام بالنّفي فقط، ولم يردّ على الشتيمة بمثلها، وخاطبهم بقوله: يا قَوْمِ، فنسبهم إلى نفسه، وأضافهم إلى ذاته، وأصل التعبير: يا قومي، بإضافة لفظ قوم إلى ياء المتكلّم، كما سبق بيانه.
القضيّة الثانية: دلّت عليها عبارة: وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (61) :
بعد أن نفى نوح عليه السّلام عن نفسه ما اتّهمه قومه به، أبان لهم أنّه لم يدعهم إلى ما دعاهم إليه من تلقاء نفسه، ولكنّه مبعوث مرسل من ربّ العالمين، مكلّف أن يبلّغ رسالاته، ومأمور بأن ينصح لقومه، فهو مسؤول من قبله عن القيام بوظائف رسالته الّتي أرسله بها.