فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 324
وأبان لقومه في هذا أنّه رسول من ربّ العالمين جميعا، ولفظ العالمين هنا مراد به ما سوى اللّه عزّ وجلّ، فعليهم أن يصغوا إلى ما يبلّغهم عن ربّه، ويتفكّروا فيه، فربّ العالمين هو ربّهم الّذي لا ربّ لهم سواه، وهو مالكهم والمتصرّف بمقاديرهم، وكلّ حركاتهم وسكناتهم، وكلّ ما يزداد فيهم أو ينقص، وهو المحيي والمميت، والممتحن والمحاسب والمجازي.
القضية الثالثة: دلّت عليها عبارة: أُبَلِّغُكُمْ رِسالاتِ رَبِّي: أي:
أبلّغكم تباعا رسالات ربّي، رسالة فرسالة، بحسب ما ينزل عليّ، ويكلّفني أن أبلّغكم إيّاه.
دلّت صيغة الجمع في كلمة رِسالاتِ على أنّ تنزيل البيانات الرّبّانيّة عليه، قد كان على وفق سنّة التّدرّج نجما فنجما، في أزمان متعدّدة، وكلّ بيان منها كان رسالة مضافة إلى ما سبقها.
وبعد أن تجتمع الرّسالات كلّها، ويكمل اللّه عزّ وجلّ الدّين لعباده، تكون جميعها منضمّة في رسالة واحدة.
فالتّعدّد هو باعتبار تنجيم التنزيل في أزمان، والإفراد هو باعتبار جمع النجوم وضمّها متكاملة في كتاب واحد، هو الرّسالة الّتي بعث اللّه بها رسوله، مضافا إليه ما أوحى به إليه من غير الكتاب المنزّل.
وقد جاء مثل هذا الاستعمال على لسان هود عليه السلام، وعلى لسان شعيب عليه السّلام، وقال اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السلام في سورة (الأعراف) هذه التي نتدبّر آياتها:
إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ ما آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ. (144)
وفي هذه الآية قراءتان بالإفراد وبالجمع، فروعي بعبارة: بِرِسالاتِي نجوم التّنزيل، وروعي بعبارة برسالتي بالإفراد مجموع النجوم.