فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 341
فِي سَفاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكاذِبِينَ. (66)
المقالة الأولى: دلّت عليها العبارة التالية: يا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفاهَةٌ: إنّهم شتموه بأنّه منغمس في السّفاهة المحيطة به من كلّ جانب، فردّ عليهم بأنّه لا توجد فيه ولا تلتصق به سفاهة ما، مهما كانت قليلة ضئيلة.
ردّ مشبع بالتّهذيب والأدب الرفيع الّذي يتحلّى به الأنبياء والرّسل عليهم الصّلاة والسلام، وينبغي أن يتحلّى به سائر الدّعاة إلى اللّه، التزاما بما تتطلّبه الحكمة في الدّعوة.
لقد دفع هود عليه السّلام شتيمة قومه له بالنّفي فقط، ولم يردّ على الشتيمة بمثلها ولا بأقلّ منها ولا بأكثر.
وخاطبهم بقوله لهم: يا قَوْمِ أصلها"يا قومي"، فنسبهم إلى نفسه، وأضافهم إلى ذاته، ومثل هذا الموقف لا يستطيعه إلّا من كان ذا حظّ عظيم من الحلم والصّبر وسعة الصّدر.
إنّ ردّ الشّتائم بمثلها أو بأشدّ منها يحوّل ساحة الدّعوة إلى اللّه إلى ساحة سفهاء، يتقاذفون بالشّتائم، والأكثرون سفاهة هم الّذين يطفون على السّطح، ويعلو ضجيجهم، ويملؤون السّاحة بنباحهم، وعندئذ تتلاشى دعوة الحقّ، وهذا ما يبتغيه الشّياطين.
المقالة الثانية: دلّت عليها عبارة: وَلكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ: أي: ولكنّ ما أبلّغكم إيّاه ممّا يخالف معتادكم، ويخالف تقاليدكم لأبائكم، إنّما هو بسبب كوني نبيّا رسولا مبعوثا إليكم من ربّ العالمين، ربّكم وربّ العالمين جميعا.
لفظ"العالمين"يراد به هنا ما سوى اللّه عزّ وجلّ.
ولو طلبوا منه أن يقدّم لهم برهانا يثبت لهم به أنّه نبيّ رسول من