معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 346
وبما أنّ سنّة اللّه عزّ وجلّ في عباده واحدة، فقد جعلتم أنفسكم عرضة لأن يجري اللّه سنّته فيكم، كما أجراها في الّذين من قبلكم.
ففي هذه العبارة تهديد لهم بأن ينزل اللّه فيهم عقابه، فيهلكهم أجمعين.
المقالة السابعة: دلّت عليها عبارة: وَزادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَصْطَةً: أي: وقد امتنّ اللّه عليكم فزادكم في خلقه لأجسادكم سعة، فأنتم أكثر طولا وعرضا من قوم نوح عليه السلام، وهذه المنّة تستدعي منكم أن تشكروا ربّكم على ما أولاكم من نعم، فتؤمنوا برسوله وتتّبعوا ما أنزل إليكم منه، ولا تتّبعوا من دونه أولياء.
إنّنا نعلم أنّ ذرّيّة نوح عليهم السّلام كانوا هم الباقين من قومه بعد الطوفان، فعاد من سلالتهم، وهذا يدلّنا على أنّ نوحا عليه السّلام قد كان رجلا ذا بسطة في خلقه، فورثت سلالته عنه ذلك، ضمن سنّة اللّه جلّ جلاله في العوامل الوراثية، فجاءت"عاد"وارثة ذلك من آبائهم حتّى نوح عليه السلام.
فهود عليه السّلام يذكّرهم في هذا بجدّهم نوح، ويستثير فيهم انتماءهم له، ويشير إلى بعض نعم اللّه عليهم الّتي تستوجب الشّكر.
المقالة الثامنة: دلّت عليها عبارة؛ فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ: أي: وإذ زادكم في الخلق بسطة، وآتاكم نعما كثيرة، فاذكروا آلاء اللّه عليكم، أي:
نعمه عليكم، ليكون ذكركم لها دافعا ومحرّضا على أن تحمدوه وتشكروه، على ما أولاكم من فضله.
وفي مقدّمة واجبات شكركم له، أن تعبدوه، ولا تشركوا بعبادته شيئا، مادّيّا كان أم معنويّا، حيّا أم غير ذي حياة، وأن تطيعوه بفعل ما أمركم به، وترك ما نهاكم عنه.