معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 349
ودلّ هذا الاستفهام على رفضهم لما دعاهم إليه هود عليه السلام، وكفرهم به، وتكذيبهم له في نبوّته ورسالته، وتكذيبهم بما جاءهم به عن ربّه.
المقالة الثانية دلّت عليها عبارة: فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ.
هذه المقالة دلّت على أنّ هودا عليه السّلام قد كان ينذر قومه بإهلاك اللّه لهم إهلاكا عامّا معجّلا في الدّنيا، كما أهلك قوم نوح من قبلهم.
ودلّت أيضا على أنّهم يجزمون بأنّه رجل كاذب غير صادق فيما يخبر به عن اللّه جلّ جلاله، وغير صادق في ادّعائه أنّه نبيّ اللّه ورسوله، ومن أجل هذا تحدّوه بأن يأتيهم بما كان يعدهم به، أي: بما كان ينذرهم به من عذاب اللّه.
الوعد الإخبار بما سيحدث خيرا كان أم شرّا، وقد يخصّ الوعد في الخير، والوعيد في الشّرّ، ولكنّ هذا غير لازم لغة.
ولم يكونوا معتقدين بأنّه رسول صادق يبلّغ عن ربّه، لأنّهم لو كانوا معتقدين صحّة نبوّته ورسالته لما تحدّوه بأن يأتيهم بما كان ينذرهم به من هلاك معجّل في الحياة الدنيا، إذ لا يعقل أن يطلبوا إهلاكهم إهلاكا عامّا لمجرّد الإصرار على عبادة أوثانهم من دون اللّه، ولو أنّهم تجرّدوا عن أوهامهم وعن تقاليدهم العمياء، لأدركوا أنّ عبادتهم لآلهتهم الوثنيّة لا تجلب لهم نفعا، ولا تدفع عنهم ضرّا.
كيف يتحدّى ضعيف عاجز جبّارا عظيما، وهذا العاجز يعتقد في قرارة نفسه أنّ الجبّار قادر على أن ينفّذ وعيده، لكنّه قد يتحدّاه حين يصدّق أوهام نفسه بأن الجبّار عاجز عن تنفيذ وعيده، إذ هذا العاجز تحميه قوّة أقوى من قوّة الجبّار.