معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 350
* قول اللّه تعالى:
قالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجادِلُونَنِي فِي أَسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما نَزَّلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71) :
تضمّن هذا البيان ثلاث مقالات قالها هود عليه السّلام لقومه، بعد تحدّيهم له بأن يأتيهم بما كان ينذرهم به من إهلاك شامل معجّل في الحياة الدنيا.
المقالة الأولى: دلّت عليها عبارة: قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ:
أي: قد قضى اللّه بأن يوقع عليكم عقابه بإهلاككم إهلاكا عامّا شاملا بعد أن قدّر ذلك بمقتضى علمه وحكمته.
ولم يكن هود عليه السّلام ليخبرهم بهذا لو لم ينزل عليه به وحي من ربّه، مقرون بالأمر بأن يخبرهم به، أو بالإذن له بذلك.
وما قدّره اللّه وقضاه جلّ جلاله وعظم سلطانه فإنّه سيقع لا محالة، فهو بحكم الأمر الّذي وقع فعلا، مع الإشعار بقرب الوقوع، ولهذا أخبرهم عليه السّلام بأنّه قد وقع، لأنّه قد تمّ به قضاء اللّه، وقرب وقوعه.
واستعمال الفعل الماضي للتعبير عن الأمر الّذي سيقع في المستقبل لا محالة، من أبلغ أساليب التأكيد لوقوع الأحداث المستقبليّة، ويستعمل كثيرا فيما قرب وقوعه مثل: قد قامت الصلاة، قد قامت الصّلاة، في عبارات الإقامة للصلاة.
الرّجس: يطلق على الأشياء القذرة النّجسة الّتي تحمل الضّرّ والأذى، أو الّتي تعافها النفوس، ويطلق أيضا على العقاب والعذاب، وهو بهذا المعنى يكون مرادفا للرّجز.
قال الفرّاء: لعلّ الرّجس والرّجز لغتان أبدلت السّين زايا.