فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 381
دلّت الآية الأولى (77) من هذه الآيات الثلاث، على أنّ كفّار"ثمود"قد فعلوا ثلاثة تحدّيات، تحدّوا بها رسول ربّهم، بعد إمهال كاف من اللّه عزّ وجلّ لهم، وبلوغهم حالة ميؤوسا منها، استكبارا وعنادا وإصرارا على الباطل، وكانت تحدّياتهم تحدّيات للّه ربّهم جلّ جلاله في حقيقة الأمر.
فقضت حكمة اللّه بإهلاكهم جميعا، كما جاء في الآية الثانية (78) من هذا النص، وقضت أيضا بنجاة"صالح"عليه السّلام والّذين آمنوا به، أخذا من دلالة الآية الثالثة (79) من هذا النصّ.
التحدّي الأول: دلّت عليه عبارة فَعَقَرُوا النَّاقَةَ ... (77) إنّهم لم يبالوا بإنذار"صالح"عليه السّلام لهم بأن يأخذهم اللّه بعذاب أليم، وقريب، في يوم عظيم، إذا مسّوا ناقة اللّه بسوء ما، فكان منهم عقرها ونحرها، بجريمة كبرى، وهم يعلمون أنّها آية اللّه لهم، إذ أخرجها لهم من الصّخرة الّتي عيّنوها، وعلى الوصف الّذي حدّدوه، وهذه حماقة لا يفعلها إلّا جبّار مغرور مستكبر.
التّحدّي الثاني: دلّت عليه عبارة: .. وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ ... (77)
لقد وجّه"صالح"عليه السّلام لهم أوامر من اللّه لهم تتعلّق بالإيمان، وبالعبادة، وبأنواع من السّلوك. والأمر يشمل ما يجب فعله، وما يجب تركه، فالأمر بالشيء نهي عن ضدّه، والنّهي عن الشيء أمر بضدّه.
فيدخل في عموم عتوّهم عن أمر ربّهم تماديهم في الإفساد في الأرض، الّذي نهاهم عنه رسولهم بقوله لهم: .. وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ. (74)
[عتوا] : أي: استكبروا وتجاوزوا حدود المعاصي المعتادة في الناس، وتجاوزوا حدود الإفساد الذي توجد نسبة ما منه في كلّ أمّة، وغلوا غلوا