معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 394
خاطبهم أوّلا مبيّنا قبيحتهم هذه، ثم خاطبهم مستنكرا بأسلوب الاستفهام، بعد أن وجدهم غير مبالين بإثبات أنّهم يمارسون هذه الفاحشة، وربّما ذكروا له أنّهم لا يجدون مانعا من الاجتماع عليها والاستعلان بها، فالقراءتان متكاملتان في أداء المراد بيانه من المعاني.
* .. بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) : تفصح هذه العبارة عن مطويّ لم يصرّح به في اللّفظ، ولكن يمكن استخراجه بالتدبّر.
إنّ"لوطا"عليه السلام لما شدّد الإنكار عليهم بشأن قبيحة إتيانهم الرّجال شهوة من دون النساء، لا بدّ أن يكونوا قد قالوا له: لسنا الوحيدين بين الأمم والشعوب الّذين يمارسون إتيان الرّجال لقضاء شهواتنا، فغيرنا يمارس هذا العمل أيضا.
فقال لهم"لوط"عليه السّلام: بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) أي: في ممارسة هذه الفاحشة القبيحة، حتّى تفوّقتم فيها على من سواكم من ماضين ومعاصرين، وتجاوزتم الحدود التي وصلت إليها أكثر الأقوام فجورا.
الإسراف: تجاوز الحدّ المحتمل، فإذا كانت المعصية الشّاذّة موجودة في أمّة بنسبة عشرين في المئة من أفرادها، إلى ثلاثين في المئة، فإنّ الأمّة بمجموعها لا تعتبر مسرفة، أمّا إذا كانت موجودة بنسبة ستين في المئة من أفرادها إلى سبعين في المئة، فإنّ الأمّة بمجموعها أمّة مسرفة في هذه المعصية الشّاذة، فإذا زادت هذه النسبة كانت أكثر إسرافا وأشنع وأقبح بين الأمم، ولا سيما إذا وصلت إلى حدّ المجاهرة العلنيّة بقبيحتها.
قول اللّه عزّ وجلّ:
وَما كانَ جَوابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُناسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) :