معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 395
"الواو"في أوّل هذه الآية عاطفة على محذوف يمكن بالتأمّل إدراكه، أي: فاستهان كبراء قومه بنصائحه، وبتثريباته لهم على فواحشهم الشّاذة، وما كان جوابهم إلّا أن وجّهوا الأمر لعامّتهم وأتباعهم قائلين لهم: أخرجوا"لوطا"وآله من قريتكم، لأنّهم أناس يتشدّدون في البعد عن مواطن القذارات الّتي تجدون لذّاتكم واستمتاعات فروجكم فيها، ويتشدّدون في التورّع عن فعل المنكرات الّتي يرونها خبائث، فهم على خلاف طريقتكم، ووجودهم بينكم مع إنكارهم عليكم ينغّص عليكم عيشكم، ويعكّر عليكم صفوكم.
إنّ عمليّة إخراج المواطن من وطنه هي ما يعرف بعقوبة النّفّي، أو سحب الجنسيّة من مكتسبها مع الطّرد من البلاد.
وقد كان"لوط"عليه السّلام قد اكتسب حقّ المواطنة في أرض سدوم منذ سنين، وصار بها وربّما بالمصاهرة من إخوانهم.
قول اللّه عزّ وجلّ:
فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ (83) :
دلّت عبارة: فَأَنْجَيْناهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ على أنّه صدر الأمر الرّبّانيّ بإهلاك قومه كلهم ومعهم امرأته التي كانت على هوى قومها، وبما أنّه عليه السّلام هو وأهله المؤمنون، قد كانوا ما زالوا ضمن أرض سدوم فقد كان لا بدّ من اتّخاذ وسيلة لنجاتهم من وسائل الإهلاك الشامل الّتي سينزلها اللّه جلّ جلاله في كلّ أرضهم.
وجاء بيان إنجائهم في نصّ آخر، أبان أنّ الرّسل من الملائكة المأمورين بإهلاك قومه قالوا له: لا تخف ولا تخزن إنّا منجوك وأهلك إلّا امرأتك، ثمّ قالوا له عند اقتراب الصّبح: فأسر بأهلك بقطع من اللّيل ولا يلتفت منكم أحد إلّا امرأتك إنّه مصيبها ما أصابهم إنّ موعدهم الصّبح أليس الصّبح بقريب؟.
* كانَتْ مِنَ الْغابِرِينَ: أي: كانت من الباقين مع قومها في