معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 407
فصارت دلالة الكلام بصريح اللّفظ ولوازمه الذهنيّة بقوّة ما لو قال لهم: فاوفوا الكيل والمكيال، والوزن والميزان، وهذا الأمر يستلزم عقلا النهي عن ضدّ الإيفاء، وهو النقص.
ويدلّ أمر شعيب عليه السّلام لقومه بأن يوفوا الكيل والميزان أنّهم محتالون على الناس مخسرون، فيأكلون بذلك أموال الناس بالباطل.
القضية الخامسة: دلّت عليها عبارة: وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ: أي: ولا تنقصوا الناس أشياءهم، سواء أكان ذلك عن طريق الكيل والوزن، أم عن طريق آخر.
هذه القضية جاءت على طريقة التعميم بعد التخصيص، فبخس أشياء النّاس أعمّ من عدم إيفاء الكيل والميزان.
البخس: هو النقص، وفعل"بخس"مثل فعل"نقص"يتعدّى إلى مفعولين.
وظاهر أنّ النقص عن الحقّ مع العلم لا يكون إلّا بظلم، وقد تستخدم فيه وسائل الاحتيال والكذب والمخادعة.
ويدلّ تدبّر موجزات مقالات شعيب عليه السّلام، على أنّه كان من فصاحته وقدرته على الخطابة ينوّع في الكلمات، وفي الأساليب، على ويأتي إلى المعنى الواحد من وجوه مختلفة، فمرّة يأتي من جهة الإيجاب، ومرة يأتي من جهة السّلب، ومرّة يختار تعيين القضيّة، وأخرى يختار إدخالها ضمن قضيّة عامّة، وهكذا تكون براعة الخطباء.
إنّ التّلاعب في الكيل والوزن، والمكاييل والموازين، هو من أكل أموال الناس بالباطل، وأكل أموال الناس بالباطل يدخل في عموم بخس النّاس أشياءهم، وكلّ ذلك من الظّلم، وقد حرّم اللّه عزّ وجلّ الظّلم على نفسه، ونهى عباده جميعا عن الظّلم، وجعله بينهم محرّما.