معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 413
ومخصبات في التناسل، وحمى ناشئيهم وأجيالهم من العوارض المميتة، حتّى صاروا ذوي قوّة في أرضهم، وصاروا قادرين على أن يفرضوا مكوسهم وإتاواتهم على مجتازي أرضهم من غير قبيلتهم.
قَلِيلًا: بمعنى قليلين، لأنّ صيغة"فعيل"إذا كانت بمعنى"مفعول"استوى فيها المذكّر والمؤنّث، والمفرد والمثنّى والجمع قياسا مطّردا، وإذا كانت بمعنى"فاعل"فقد تعامل أيضا المعاملة نفسها، وقد تكرّر هذا الإجراء في القرآن في كلمات"كثير"و"قليل"و"ظهير"و"رفيق"وربما نجد غيرها أيضا.
القضيّة الثانية عشرة: دلّت عليها عبارة: وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ. (86)
أي: وتفكّروا وانظروا نظرا عقليّا واعيا مستبصرا بتأمّل أحوال الأمم السّابقة الّتي طغت وبغت وأفسدت في الأرض، وكذّبت رسل ربّها، وكذّبت بآياته المنزّلات، واستكبرت عن اتّباعها والعمل بما جاء فيها، كيف جعل اللّه عزّ وجلّ بعدله عاقبتها هلاكا لأحيائها، ودمارا لمساكنها وممتلكاتها، أمارة على ما ستلقاه من عذاب يوم الدين.
وكأني بشعيب عليه السلام ضمن عبارته العامّة هذه، يشير إلى ما حصل لقوم لوط على وجه الخصوص، لقرب زمانهم وأرضهم من زمان قوم شعيب وأرضهم، ويؤكّد هذا الفهم قوله الصريح لهم الذي جاء بيانه في سورة (هود/ 11 مصحف/ 52 نزول) :
وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ. (89)
القضيّة الثالثة عشرة: دلّت عليها عبارة: وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ. (87)