معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 414
الطّائفة: تطلق في اللّغة على الواحد فأكثر من الجماعة، أو القوم، أو الأمّة، وتطلق على الجماعة، والفرقة.
تدلّ هذه العبارة على أنّ أهل مدين قد وصلوا بعد أطوار متصاعدة في الشّدّة، إلى طور إيقاف انتشار دعوة رسولهم شعيب عليه السّلام بالقوّة، ومواجهة من آمن به واتّبعه منهم بالقمع والاضطهاد.
ويظهر أنّهم تذعوا للقيام بأعمال القمع بذرائع تعتمد على خداع ديني، زاعمين أنّ من حقّهم لحماية دينهم الموروث عن آبائهم إلى جدّهم إبراهيم عليه السلام، متجاهلين التحريفات الباطلات الدخيلات والشّركيّات التي يمارسونها، ويزعمون أنّها من دين اللّه، أن يمنعوا بالقوّة الّذين آمنوا بشعيب عن اتّباعه، والدّعوة إلى دينه.
فقال لهم شعيب عليه السّلام: إن كنتم كما تزعمون حريصين على حماية دين اللّه، فاتركوا أمر نصرة الدّين للّه، ولا تجعلوا أنفسكم أوصياء عليه، واللّه عزّ وجلّ قادر على أن ينتصر لدينه.
فإن كان الدّين الحقّ هو ما ندعو نحن إليه، أو ما تتمسّكون أنتم به، فاصبروا حتّى يحكم اللّه بيننا وينفّذ حكمه القضائيّ لنا أو علينا، ولكم أو عليكم، ولا تتعجّلوا منع دعوتنا من الانتشار بالقوّة، ولا تقمعوا الّذين آمنوا بها وهم منكم، واللّه خير الحاكمين، فإن كنا نحن على الحقّ الّذي يرضاه، حكم لنا فنصرنا وأيّدنا، وإن كنتم أنتم الّذين هم على الحقّ نصركم وأيّدكم.
إذا تفكّرنا في قول شعيب عليه السّلام لهم فَاصْبِرُوا وحلّلنا مقتضيات موقف المواجهة بين طائفتين، طائفة مؤمنة قليلة لا تستطيع الدّفاع عن نفسها بقواها المادّيّة، وطائفة غير مؤمنة تملك من أدوات القوّة ما تستطيع به معاقبة الطّائفة المؤمنة من أجل إيمانها.