فهرس الكتاب

الصفحة 2513 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 418

استفاد شعيب عليه السّلام من إصدار ذوي السّلطان في قومه قرارهم التخييريّ بين الإخراج بالقوّة من أرض مدين، وبين العودة في ملّتهم، فأخذ جانب الإكراه على العودة عن دينه الحقّ والدّخول في ملّتهم، ليناظرهم ولقيم الحجّة عليهم، بأنّه لا يصحّ في العقل، ولا في الوجدان، ولا في أعراف الحرّيّة الإنسانيّة الشخصيّة، إكراه الإنسان على اعتقاد واعتناق دين والإيمان به، وهو مقتنع فكريّا بالبرهان القاطع أنّه باطل، وبسبب بطلانه يكره أن يعتنقه ويلتزم لوازمه.

فناظر كبراء قومه مناظرة جدليّة مفحمة، حول هذه القضيّة، واشتملت مناظرته على ثلاث مقولات جدليّة، وأعقبها ببيان ثباته على موقفه من دينه، متوكّلا على اللّه، مهما كانت النتائج والتّدبيرات الّتي يدبّرونها ضدّه وضدّ الّذين آمنوا معه، وبدعاء سأل اللّه عزّ وجلّ فيه أن يفتح بينه وبين قومه بالحقّ، مثنيا عليه بأنّه خير الفاتحين.

المقولة الجدليّة الأولى: دلّت عليها بإيجاز عبارة: قالَ أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ: أي: أتكرهوننا على العودة عن ملّتنا والدّخول في ملّتكم ولو كنّا كارهين ترك ديننا والدّخول في ملّتكم؟!

إنّ الكاره لترك الإيمان بقضيّة يؤمن بها بقلبه، لا يمكن أن يتركه، إذ الإيمان إرادة داخليّة لا يعرفها أحد من الناس إلّا صاحبها. وإنّ الإكراه على الإيمان بقضيّة يعلم المكره عليها أنّها قضية باطلة، لا يمكن أن يوجد إيمانا بها، إذ الإيمان إرادة داخليّة لا يعرفها أحد من الناس إلّا صاحبها.

لكن قد يكره الإنسان على إعلان الكفر بما هو مؤمن به، فيعلن ذلك وهو كاذب، وقد يكره على إعلان الإيمان بما هو كافر به، فيعلن ذلك وهو كاذب.

فعبارة: أَوَلَوْ كُنَّا كارِهِينَ مع ما فيها من إيجاز بالغ تدلّ على

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت