معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 419
حقيقة من حقائق السّلوك الإنسانيّ الدّاخليّ، وهي استحالة إكراه ذي الإرادة الحرّة على أن يكفر بقضيّة فكريّة يرى أنّها حقّ، ويؤمن بأنّها حقّ، أو على أن يؤمن بفكرة لم يقتنع بها ولا يريد أن يؤمن بها.
فمن الحقائق الثابتة الّتي لا تتغيّر ما دام الإنسان على ما فطره اللّه عليه ذا إرادة حرّة، أنّه لا إكراه في الدّين، إذ قاعدة الدّين الحقّ جوهرها الإيمان بمبادئه، والإيمان إرادة داخليّة، لا يمكن إكراه الإنسان على إيجاده أو نسخه، ما دام ذا فكر خاصّ به، وإرادة حرّة.
بهذا المنطق العقلي ذي الحجة الدامغة ناقش شعيب عليه السلام قومه.
قد يكره الإنسان على العمل بسلوك ظاهريّ معيّن، وهو لا يؤمن بصحّته ولا بجدواه، فينافقّ في سلوكه الّذي أكره عليه، لكنّه لا يمكن أن يكره على الإيمان بفكرة يراها باطلة، أو لا يريد الإيمان بها، لئلا يلتزم مقتضياتها في السّلوك.
إنّ الإيمان إرادة قلبيّة تتضمّن اعترافا بفكرة ما، وينتج عنه استسلام نفسيّ لها، ثمّ تحرّك للعمل بمقتضاها.
كذلك سائر العواطف القلبيّة والنفسيّة.
ومن أجل هذه الحقيقة لم يكن رسل اللّه يكرهون الناس على الإيمان بالدّين الرّبّانيّ، الّذي يدعون الناس إلى تفهّم مبادئه الاعتقاديّة والإيمان بها باختيارهم الحرّ، وليس في أيّة رسالة ربّانيّة صحيحة النّسبة إلى اللّه ما يقتضي إكراه الناس على الإيمان بما جاء فيها.
إنّ الإكراه على الإيمان أو على الكفر بقضيّة من القضايا الفكريّة من الأمور المرفوضة عقلا وواقعا، وكلّ فهم على خلاف هذا فهم غير صحيح.