معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 420
وإنّ تاريخ البشريّة لم يسجّل على أمّة مؤمنة برسالة ربّانيّة حقّ، فاهمة لمضمون دين ربّها وحقيقته، أنّها كانت تكره المخالفين لها في الدّين، على الإيمان بالدّين الّذي آمنت به.
لكنّ تاريخ البشريّة مليء بالشواهد الدالّة على أنّ أصحاب المذاهب والأديان الّتي هي من أوضاع البشر، أو من تحريفات المحرّفين لدين ربّانيّ صحيح الأصل، وكذلك سائر قادة ملل الكفر، كانوا هم الّذين يكرهون مخالفيهم على ترك أديانهم ومبادئهم ومذاهبهم، والإيمان والعمل بدين المكرهين، وإلّا كان العذاب الشديد حتّى الموت مصيرهم.
إنّ من مبادىء الرّسالات الرّبّانيّة كلّها أنّ الدّين للّه، وأنّه لا إكراه في الدّين، فمن شاء فليؤمن، ومن شاء فليكفر، ولكن من اختار لنفسه أن يكفر فعليه أن يتحمّل تجاه ربّه مسؤوليّة اختياره الحرّ، وعليه أن يترقّب عذاب اللّه المعجّل في الدّنيا، إذا اقتضت حكمته جلّ جلاله أن يذيقه شيئا من العذاب المعجّل، وعليه أن يترقّب عذاب اللّه المؤجل إلى يوم الدّين، وهذا العذاب سوف يلقاه حتما في جهنّم دار العذاب الأكبر، خالدا فيها مخلّدا. وقد أعذر من أنذر.
المقولة الجدلية الثانية: دلّت عليها بإيجاز عبارة: قَدِ افْتَرَيْنا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها
لمّا كانت ملّة قومه فيها شركيّات، وفيها استباحة ما حرّم اللّه عزّ وجلّ في كلّ ما أنزل من دين على رسله، كقطع الطّرق وظلم النّاس، والعدوان عليهم، وأكل أموالهم بالباطل، مع ادّعاء أنّ ذلك من الدّين الّذي ورثوه عن جدّهم"مدين"عن أبيه إبراهيم الخليل عليه السّلام النبيّ الرّسول حقّا وصدقا.
فإن عودة شعيب عليه السّلام والّذين آمنوا به واتّبعوه عن دينهم،