معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 434
الضّروريّات للحياة، فيتضرّعون للّه خاضعين متذلّلين داعين أن يكشف عنهم ما هم فيه من مصائب وشدائد ومكاره.
أمّا النّعم والمسرّات وتوالي أسباب الرّخاء، وسعة الرّزق، مع العافية والقوة والنشاط، فإنّها تجعلها تغطّ في نوم عميق، وتصرفها عن تذكّر محامد ربّها وشكر نعمه، وتنسيها اللّه عزّ وجلّ وعدله، وقوارع عقابه ونقمته، وأنّه الّذي بيده مقاليد كلّ شيء، وهو على كلّ شيء قدير، فتنطلق بطرة مستكبرة أشرة فاجرة مفسدة في الأرض.
ومن سنّة اللّه في الأمم أنّهم إذا تضرّعوا لربّهم خاضعين داعين مستغفرين، بعد أن ينزل بهم المصائب ليتذكّروا فيتضرّعوا، أن يكشف عنهم ما ابتلاهم به من المصائب والمكاره، وأن يجعل بدل المصائب التي ساءتهم نعما تسرّهم.
* ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ: أي: وبعد مدّة متراخية استمرّت خلالها البأساء والضّرّاء الّتي هي سيّئة غير حسنة، وهي من المكاره الّتي تسوء المبتلين بها، بدّلنا موادّ الابتلاء، فجعلنا الحسنة في مكان السّيّئة، فكشفنا الجوع، والمشقّة، والفقر وضنك العيش، وويلات الحرب، والمكاره في الأموال والأنفس، وجعلنا مكانها وفرة الأرزاق، والرّاحة، والغنى، وسعة العيش، والأمن، والرّخاء، والممتعات السّارّات، وكلمة"الحسنة"عنوان عامّ يشمل كلّ هذه وأشباهها.
ويظهر أنّ كشف البأساء والضّراء عنهم قد كان استجابة لتضرعاتهم لربّهم.
وتحليل العبارة: ثمّ بدّلنا جاعلين في مكان السّيّئة الحسنة.
حَتَّى عَفَوْا: أي: حتى كثروا بالمواليد والذّرية، وهم أهل القرية الّذين ابتلاهم اللّه أوّلا بالسّيئة، ثمّ رفعها وكشفها عنهم، وابتلاهم بالحسنة.