فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 440
وَلكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ (96) :
أي: ولكن لم يحقّقّوا الشّرط بالإيمان والتقوى، فلم نفتح عليهم بركات من السّماء والأرض دوما دون انقطاع، ودون أن نأخذهم بالبأساء والضّرّاء، رغبة في أن يتضرّعوا، ودون أن نأخذهم أخيرا بالتّعذيب والإهلاك الشامل العامّ. بل كذّبوا رسل ربّهم، وكذّبوا بما جاءوهم به عن ربّهم، فلم يؤمنوا ولم يتّقوا، والمراد معظم أهل القرى لا كلّهم.
لهذا استحقّوا أن نأخذهم بسبب ما كانوا يكسبون.
وأخذ اللّه لهم يكون على وفق سنّته، وهي ذات مرحلتين:
المرحلة الأولى: أن يأخذهم بالبأساء والضّرّاء، تذكيرا لهم بربّهم وتأديبا، وهذا لا يكون معه إهلاك شامل.
ويتبع هذا رفع قوارع التذكير والتأديب عنهم، حتّى إذا تمادوا في غيّهم، واستعملوا نعم اللّه في الطغيان والفساد والإفساد في الأرض، جاء دور تنفيذ المرحلة الثانية إذا اقتضت حكمة اللّه ذلك فيهم، ببلوغهم دركة من الكفر والفساد والإفساد، ميؤوسا معها أن يصلح منهم بإراته الحرّة عدد كاف لإمهالهم، أكثر ممّا أمهلوا.
المرحلة الثانية: أن يأخذهم اللّه بعذاب وإهلاك شاملين بغتة، فيفاجئهم به ليلا وهم نائمون، أو ضحى وهم يلعبون، وينزل بهم دون أن يكونوا في حالة شعور بمقدّمات منذرة بالعذاب الذي سينزل بهم، ولا بالهلاك الذي يستأصلهم.
بِما كانُوا يَكْسِبُونَ: أي: بما كانوا يفعلون، أصل الكسب العمل للحصول على مرغوب فيه، كالرّزق والمال، واللّذّة، والاستمتاع بشيء ممّا هو محبوب للنفوس. يقال لغة: كسب المال يكسبه كسبا، أي: ربحه.
وكسب الشيء، أي: جمعه، وكسب الإثم، أي: فعله وتحمّله باختياره الحرّ.