فهرس الكتاب

الصفحة 2544 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 449

ثمّ جرى التوسّع في التعبير فصار يستعمل في المعنويات، ومنه الطّبع على القلوب، للدّلالة على أنّها صارت محجوبة عن إدراك أيّ شيء يتعلّق بما هي محجوبة عنه.

وطبع اللّه عزّ وجلّ على قلوب النّاس يكون نتيجة قدريّة لما يكسبه النّاس بإراداتهم الحرّة، كمن يشرب بإرادته الحرّة السّمّ القاتل، فإنّ اللّه جلّ جلاله، وعظمت حكمته، يقتله بسمّه ضمن قانونه القدريّ العامّ، وكمن يدخل يده في النّار، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يحرقها له ضمن قانونه القدريّ العامّ.

وكذلك فإنّ من يمعن في إعراضه عن آيات اللّه المذكّرات له، ويستهين بها، ولا يعبأ بالمذكّرين، ولا بالدّعاة الرّبّانيّين المبشّرين والمنذرين، ولا يستمع للبراهين والحجج الإقناعيّة الدامغة، ويسلّم عنان إرادته لأهوائه وشهواته ورغباته من الحياة الدّنيا، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يطبع على قلبه ضمن قانونه القدريّ العامّ، إذ صار ميؤوسا من استقباله باختياره والحرّ لأنوار الهداية الرّبّانيّة.

المادّة الثالثة: فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ: أي: فهم بعد الطّبع على قلوبهم الذي كان بأسباب منهم، لا يسمعون موعظة واعظ، ولا تذكير مذكّر، ولا نصيحة ناصح.

فإذا بلغوا هذه الدّركة العميقة في الانحطاط، فإنّهم حينئذ يستحقّون إنزال عذاب فيهم، وإهلاك شامل لهم، تطبيقا لسنّته الّتي لا تبديل لها ولا تحويل لمجراها.

مراحل سنن اللّه في الأمم الأربع:

وقد جاء ترتيب هذه الآية بعد بيان أحوال الأمم السّالفة، وبيان سنّة اللّه عزّ وجلّ فيهم، وهذه السّنّة قد كانت تشتمل دواما على أربعة مراحل:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت