فهرس الكتاب

الصفحة 2546 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 451

وهذه الأمثلة كافية لأن تقدّم هداية للأمم اللاحقة، الّتي أورثها اللّه أرض الأمم السابقة الّتي أهلكها، وأن تقدّم لهم بيانا إقناعيّا لا يستهين به إلّا الّذين لا عقول لهم، ولا يعرض عنه إلّا المجرمون الّذين يستحقّون أن يجري اللّه فيهم سنّتّه الّتي أجراها في المهلكين السّابقين.

ولمّا كان في الناس من بعد تنزيل القرآن واشتماله على هذه البيانات، جماعات كثيرون لم يؤمنوا ولم يتّقوا كان حالهم مشبها حال من لم تأته هذه الهداية، ولم تأته هذه البيانات، فكان من أسلوب البيان الرفيع طرح السّؤال التالي:

ألم يأت هؤلاء الناس ما يهديهم ويبيّن لهم سنّة اللّه، حتّى كان منهم هذا الإهمال وعدم الاكتراث، وحتّى سلكوا السّبل المؤدّية بحسب سنّة اللّه إلى تعذيبهم فإهلاكهم، كما حصل للّذين من قبلهم، وجاء التعبير القرآني عن هذا السؤال بقول اللّه تعالى:

* أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِها أَنْ لَوْ نَشاءُ أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (100) :

جاء تقديم أَصَبْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ لأنّه هو النتيجة. وهنا يأتي سؤال لماذا يستحقّون هذه الإصابة؟ والجواب: لأنهم لم يستفيدوا ممّا جاءهم من هداية وبيان عمّا جرى من تعذيب وهلاك للذين من قبلهم من مكذّبي القرون السّابقة بما جاءهم عن ربّهم. وهنا يأتي سؤال: لماذا لم يستفيدوا من ذلك؟ والجواب: لأنّهم مطبوع على قلوبهم فهم لا يسمعون بيان مبيّن ولا تذكير مذكّر. وهنا يأتي سؤال: لماذا طبع على قلوبهم؟ وهنا يجيب التّدبّر الفكريّ المستّند إلى بيانات قرآنيّة متعدّدة في غير هذا النّصّ، مع التّحليل النفسيّ لظاهرات السّلوك الإنساني، فيقول: لأنّهم اتّبعوا أهواءهم وشهواتهم ورغباتهم من الحياة الدّنيا، فانطلقوا يكدحون لتحقيق لذّاتهم،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت