فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 453
السادس من دروس سورة (الأعراف) بيان أنّ أهل القرى الغابرة وتوابعها كانوا فريقين:
أمّا الفريق الأوّل منهم: فقد كذّبوا رسل ربّهم، وكذّبوا ما جاءوهم به عنه جلّ جلاله، فأمهلهم اللّه إمهالا طويلا كافيا لإقامة الحجّة عليهم، ووصل كثير منهم إلى حالة ميؤوس معها من إيمانهم وإعلانهم إسلامهم، عن طريق إرادتهم الحرّة، وعلم اللّه ذلك منهم، فقضت حكمته أن يهلكهم إهلاكا عامّا بالمهلكات المصحوبات، بأنواع من العذاب بالعدل على ما كان منهم من كفر وفجور، وبغي وعدوان، وفساد وإفساد في الأرض، إذ انتهى دور امتحانهم في الحياة الدنيا، وغدا بقاؤهم فيها غير ذي جدوى للغاية الّتي خلقوا من أجلها، وهي الابتلاء.
باستثناء قلّة قليلة منهم كان من الممكن لو أمهلوا أن يؤمنوا ويتّبعوا الهدى، ولكن قضى النظام العامّ بأن يشملهم الإهلاك. وهؤلاء سوف يرحمهم اللّه يوم الدّين على مقادير ما في قلب كلّ واحد منهم من خير، ولا نعلم كيف تكون رحمة اللّه لهم، وهذه الرّحمة من اللّه تشملهم إذ لم تنته بحسب حكمته جلّ جلاله مدّة امتحانهم، ولكن قضى نظام الإهلاك العامّ لمجموع قومهم إهلاكهم معهم، وقد جاءت الإشارات القرآنيّة لهذا في عبارات: وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ* (9) في سورة (الشعراء) في الآيات (68 - 104 - 122 - 140 - 159 - 175 - 191) فقد جاء قبلها بعد بيان إهلاك المكذّبين من السابقين قول اللّه عزّ وجلّ: وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ: أي وما كان أكثرهم مستعدّا لأن يؤمن مستقبلا مهما أمهل، فاللّه يعاملهم بمقتضى اسمه،"العزيز"أمّا من كان لديه استعداد لأن يؤمن مستقبلا فيما لو أمهل، فإنّ اللّه جلّت حكمته، وعظم سلطانه، وعمّت رحمته، سوف يعامله بمقتضى اسمه:"الرّحيم".