معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 455
بِالْبَيِّناتِ: أي: بالوضحات الجليّات، وهي تشمل بعموم اللّفظ الآيات المعجزات الّتي تثبت أنّهم أنبياء اللّه ورسله حقّا وصدقا، وتشمل الآيات البيّنات المنزّلات صحفا تتلى، أو كتابا كبيرا يتلى، وهي تدلّ الناس على شرعة اللّه، ومنهاجه لهم، في الدّين الّذي اصطفاه لعباده، وتشمل الحجج والبراهين الواضحات اللّواتي تثبت مبادىء الدّين، وأركان الإيمان، وأركان الإسلام، وفضائل السّلوك الّذي يطالب اللّه به عباده.
فدلّ هذا على أنّ اللّه لم ينزل الإهلاك الشامل بالمهلكين السابقين، إلّا بعد أن رفضوا البيّنات الّتي جاءتهم بها رسلهم المرسلون إليهم من ربّهم، وقطع بالبيّنات احتمال اعتذارهم بالجهل.
* قول اللّه تعالى: فَما كانُوا لِيُؤْمِنُوا بِما كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ: أي: إنّ الّذين أهلكوا بعد أن جاءتهم رسلهم بالبيّنات، قد أمهلوا إمهالا طويلا كافيا لقطع كلّ أعذارهم الّتي يمكن أن يعتذروا بها، فما كانوا ليؤمنوا بما كذّبوا به من قبل إهلاكهم، مهما تركوا في رحلة امتحانهم في الحياة الدّنيا، ومهما أمهلوا.
ولهذا كان إهلاكهم، وإنهاء رحلة امتحانهم، هو الأمر الحكيم، إذ إنّ إبقاءهم في الحياة أمر غير ذي جدوى، فهو لا يعطيهم في الحقيقة فرصة لكي يؤمنوا عن طريق إراداتهم الحرّة.
فلقد وصلوا إلى حالة ميؤوس منها، فطبع اللّه على قلوبهم، بقانونه القدرريّ العامّ، الّذي كانوا هم السبب في الوصول إليه، وتحقّقه فيهم.
اللّام في: لِيُؤْمِنُوا: هي لام الجحود لمجيئها بعد كون منفيّ، ومثل هذا التعبير هو من أبلغ أساليب النّفي في العربيّة.
* قول اللّه تعالى:
كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى قُلُوبِ الْكافِرِينَ: أي: كذلك الطّبع الّذي