معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 463
والمراد بالمفسدين هنا فرعون وملؤه وجنودهم، وضع الاسم الوصفيّ الظاهر موضع الضّمير هنا، للدّلالة على أنّ عاقبتهم الإهلاكيّة بالإغراق، قد كانت بسبب إفسادهم في الأرض.
*** قول اللّه عزّ وجلّ:
* وَقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلى أَنْ لا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرائِيلَ (105) :
العطف بالواو لهذه الفقرة يتبادر أنّه من قبيل عطفها على الجمل الّتي قبلها.
لكن يظهر لي أنّ الغرض من هذا العطف الإشارة إلى كلام مطويّ جرى بين موسى عليه السلام وبين فرعون، ومن هذا الكلام المطوي ما يدلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (النازعات/ 79 مصحف/ 81 نزول) :
هَلْ أَتاكَ حَدِيثُ مُوسى (15) إِذْ ناداهُ رَبُّهُ بِالْوادِ الْمُقَدَّسِ طُوىً (16) اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلى رَبِّكَ فَتَخْشى (19) :
فعبارة: فَقُلْ هَلْ معطوفة بالفاء التي تدلّ على الترتيب مع التعقيب، فيها تعليم من اللّه عزّ وجلّ لموسى عليه السّلام، بأن يبدأ فرعون بهذه العبارة اللّيّنة المشتملة على مقدّمة عرض طويل دلّت عليه عبارة: لَكَ إِلى أَنْ تَزَكَّى قبل أن يذكر له المطلوب وهو التزكية، والهداية إلى ربّه.
وإذا جمعنا ما جاء في هذا النصّ مع ما جاء في قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الزّخرف/ 43 مصحف/ 63 نزول) :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إِلى فِرْعَوْنَ وَمَلَائِهِ فَقالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعالَمِينَ (46) :