فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 495
لقد رأوا أنّ انطلاق موسى وهارون عليهما السلام، ومعهما قسم من بني إسرائيل، يدعون إلى الدّين المخالف للدّين الّذي عليه فرعون وملؤه وقومه هو من الإفساد في الأرض، فقالوا لسيّدهم فرعون:
أَتَذَرُ مُوسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ؟! أتذر: أتترك.
أي: أتترك موسى وقومه يعملون بحرّيّة في الدّعوة إلى دينهم، حتّى يشوّشوا أفكار النّاس، ويجعلوهم شيعا وأحزابا، ويفسدوا وحدتهم الفكرية والاعتقادية المؤتلفة على عبادة آلهتهم، وعلى جعلك في مصر أنت الإله والرّبّ الأعلى، إذ حلّت فيك روح الرّبّ الأعلى باعتبارك من سلالته، إنّ هذا إفساد في الأرض لا يحتمل، فمن شأنه أن يسقط نظام الدّولة الفرعونيّة، ويسلبنا سلطاننا وأملاكنا في أرض مصر.
اللام في لِيُفْسِدُوا: هي لام العاقبة، أي: حتى تكون عاقبة أمرهم الإفساد في الأرض.
وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ: أي: ولينبذك موسى مع آلهتك معزولين، فلا تجدون مطيعين عابدين لكم، ولا أنصارا ينصرونكم.
وسيأتي قريبا إن شاء اللّه بعض بيان عن معتقدات الفراعنة في الآلهة، وعن تطوّر هذه المعتقدات كما ذكر مؤرّخو معتقداتهم، وهم بوجه عامّ يرون أنّ الإله هو العظيم المطاع، الّذي تجب طاعته والخضوع له في حدود إلهيّته، وله حقّ الأمر والنّهي والتّصرّف ضمن دائرتها.
مادّة"يذر"فيها معنى الترك والإهمال، وقد تدلّ على معنى النّبذ والإبعاد، كوذرة اللّحم، وهي القطعة الصغيرة الّتي يقطعها الجزار وينبذها كراهية لها.
هذا القول التحريضيّ من ملأ قوم فرعون استحثّه على أن يصدر أمرا بالنّسبة إلى بني إسرائيل، دون موسى وهارون عليهما السلام، فقال لمّا استثير غضبه: