فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 506
ومثل هذه التعليلات الّتي تقلب بها حقائق الأمور، توجد دواما لدى الكافرين والفاسقين في كلّ أمّة، ليبعدوا عن أنفسهم تصوّر أنّهم هم السّبب فيما ينزل اللّه من سيّئات يكرهونها.
يَطَّيَّرُوا: أي: يتطيّروا، أدغمت التّاء بالطّاء فصارتا طاء مشدّدة.
التّطيّر بالشيء: هو التّشاؤم منه، على تصوّر أنّه بسبب شؤمه وسوئه نزلت السّيّئة المكروه نزولها.
ويستعمل التّطيّر أيضا في التفاؤل، ولكنّه مستعمل في النصّ هنا بمعنى التّشاؤم.
وجاء التعقيب الرّبّانيّ على تطيّرهم، بموسى ومن معه، بقول اللّه عزّ وجلّ:
أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ. (131)
أَلا: للتّنبيه. إِنَّما: أداة حصر، معناها النفي والاستثناء.
طائِرُهُمْ: أي: عملهم الّذي إذا عملوه انطلق طائرا فلم يستطيعوا ردّه، وإذا طار كان عند اللّه علما وتسجيلا وحسابا، فاللّه هو الذي يحاسب عليه ويجازي. أمّا آلهة المشركين فلا تدري عن أعمال الناس شيئا.
وكلّ طائر عمل من أعمال الإنسان مرتبط بعنقه لمحاسبته ومجازاته عليه. وخصّ العنق لأنّ المرتهن بحقّ كان يغلّ عنقه بغلّ ويقاد به، حتّى يؤدّيه أو يجازى عليه.
أي: فما نزل بهم هو من إجراءات اللّه فيهم رغبة في أن يتضرّعوا له، ويتذكّروا سنّته في عباده، ويتّعظوا بها، فيتوبوا من شركهم وكفرهم، ويؤمنوا برسل ربّهم، ويتّبعوا آيات اللّه المنزّلات إليهم.
ومن قبل هؤلاء تطيّرت ثمود برسولهم صالح عليه السّلام، وبمن معه