فهرس الكتاب

الصفحة 2603 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 508

أمّا قول اللّه عزّ وجلّ بشأن فرعون وآله وأتباعهم: وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بعد قوله: أَلا إِنَّما طائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ فإنّه يدلّ على أن القليلين منهم يعلمون بأنّ ما نزل بهم ممّا يكرهون من سيّئة، هو بسبب أعمالهم الإجراميّة الّتي يعاندون بها الحقّ الّذي جاء به موسى وهارون عليهما السّلام، إلّا أنّهم يكابرون، ويحاولون بالتضليل وتزيين الأقوال الدّعائيّة تغطية الحقّ على جماهيرهم، وهؤلاء الجماهير يقلّدونهم بتأثير ثقتهم السّابقة بهم، ويسلّمون لهم ما يقولون ثمّ يردّدون أقوالهم ترديدا ببغاويّا، فلا ينفردون عنهم بقول يعلنونه، ولا يخالفونهم في رأي.

وهؤلاء القليلون هم الملأ من حول فرعون وأهل مشورته الّذين إذا قالوا قولا تبعهم فيه الجماهير فقالوا مثل مقالتهم، ولا بدّ أن يكون هؤلاء هم الّذين وجّهوا لموسى عليه السّلام المقولة الّتي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في الآية التّالية من سورة (الأعراف) :

* وَقالُوا مَهْما تَأْتِنا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنا بِها فَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ. (132)

هذه المقولة منهم لموسى، تدلّ على اعترافهم بأنّ الأحداث الّتي تجري في مصر، هي من الآيات الّتي يؤيّد اللّه بها رسوله موسى عليه السلام، وعلى أنّهم لا يستطيعون معارضتها أو إيقافها، ما لم يرجعوا إليه ويطلبوا منه أن يرفعها إلهه عنهم.

وتدلّ أيضا على أنّهم مستيقنون في أنفسهم أنّها آيات بينات كافيات لأن يؤمنوا بموسى نبيّا ورسولا، ولأن يسلموا للّه ويتّبعوا ما أنزل إليهم من ربّهم، إلّا أنّهم أظهروا تعنّتهم، واعتبروا الآيات مظاهر لأعماله السّحريّة، فقالوا له:

مهما تأتنا به من آية مهما بلغت في دلالتها البرهانيّة فنحن لا نعتبرها إلّا عملا سحريّا، وما نحن بمؤمنين بك، ولا بمسلمين لك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت