فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 526
لهم زمنا طويلا، ولعلّ عبادة الأوثان صارت مألوفة لهم، وغير مستنكرة، إنّما المستنكر منها تعدّدها، وكونها لا تمثّل في نظرهم الرّبّ الّذي يؤمن به أنبياؤهم ورسلهم، منذ عهود إبراهيم وإسحاق ويعقوب.
ولهذا ردّ عليهم موسى عليه السّلام بقوله لهم، كما جاء في قول اللّه جلّ جلاله في الآية.
قالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) :
أي: إنّكم ما زلتم تجهلون حقيقة دين اللّه لعباده، الّذي لا يسمح بحال من الأحوال أن يرمز لذات اللّه الرّبّ الخالق بجسد من الأجساد المحسّة الملموسة، ولا يسمح بأن يتّخذ هذا الرّمز إلها يعبد، ولو كان المقصود من عبادته بأيّ لون من ألوان العبادات عبادة اللّه الرّبّ من خلاله.
فعبادة اللّه يجب أن تكون توجّها له وحده، وهو غيب عن كلّ الحواسّ، كما كان الإيمان به وبوجوده بالدليل الفكريّ، وهو غيب عن كلّ الحواسّ الظاهرة والباطنة.
أمّا القبلة فهي المكان المخصّص لتوحيد توجّه العابدين في الصّلوات، وتحديد مكان الطواف لدى عبادة اللّه به.
وأمّا المساجد وبيوت اللّه فهي الأمكنة الّتي تخصّص لتكون ملكا عامّا يعبد فيه أتباع الدّين ربّهم بحرّيّة تامّة، فلا يمنعهم عنها مانع.
ولتحذير بني إسرائيل من اتّخاذ رموز من التماثيل والصّور يتوجّهون لها بالعبادة، أنزل اللّه عزّ وجلّ إليهم بيانا مفصّلا دوّنه كتابهم في سفر الخروج، خاطب اللّه فيه موسى عليه السّلام وهو يتضمّن خطاب كلّ شعب بني إسرائيل، فجاء في الإصحاح العشرين منه:
"2 أنا الرّبّ إلهك الّذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية 3"