فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 530
القرآن المجيد، فهم أكثر النّاس معرفة بسلطان اللّه وجبروته، وإمهاله لعباده الجاحدين، ثمّ بطشه بهم، إذ هم يتلون في كتبهم كيف أهلك اللّه عزّ وجلّ فرعون وجنوده، انتصارا لموسى وهارون ومن اتّبعهما من بني إسرائيل.
ومن أسلوب اللّه جلّت حكمته في البيان أن يخاطب الأجيال اللّاحقة من الأمّة، بالتّعبير الّذي تخاطب به الأجيال السّالفة، كأنّهم هم أنفسهم، إذا كانت الأجيال اللّاحقة ترى أنّها امتداد للأجيال السالفة في عقائدها، ومفهوماتها، وشرئعها، وكلّ ما لها وما عليها.
وقد تكرّر في القرآن المجيد خطاب أجيال بني إسرائيل بعد نزول القرآن، كأنّهم هم الّذين جرت لهم الأحداث الّتي جرت لأسلافهم، مثل ما جاء في الآيات التاليات من سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
* وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... (61)
* وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ... (63)
* وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيها ... (72)
* وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ ... (84)
والسّبب في هذا أنّ بني إسرائيل اللّاحقين الذين لم يسلموا ولم يتّبعوا رسول اللّه محمّدا صلى اللّه عليهم، قد صار ولاؤهم للقوميّة الإسرائيليّة، وللحزب الإسرائيليّ، لا للّه ولرسله وآياته المنزّلات على رسله المتلاحقين، حتّى خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد صلى اللّه عليه وسلم، فجعلهم هذا الولاء القوميّ الحزبيّ التّعصّبيّ يرفضون ما يبعث اللّه لهم من رسول، وما ينزل على رسله من آيات بيّنات فيها شرائع وأحكام. لذلك كان من الحكمة في توجيه الخطاب أن يخاطب اللّه اللّاحقين كأنّهم هم أعيان السّابقين.