فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 547
إنّ زيادة المنح والعطايا الرّبّانيّة في حياة الابتلاء، ولو كانت للمصطفين الأخيار من الأنبياء والمرسلين، تقتضي زيادة التّكاليف، وتحميل الأعباء الثقال، ولهذا كان أكثر الناس بلاء الأنبياء عليهم السّلام، ثمّ الأمثل فالأمثل، أي: الأشبه فالأشبه.
فأكثر الأنبياء والمرسلين بلاء (أي: امتحانا بالتكاليف الشّاقة) هم أكثرهم اصطفاء وتفضيلا، وتمييزا بالعطايا والهبات الرّبّانية، من خصائص النبوّة والرّسالة، لما تستتبع من تفضيل عظيم يوم الدّين في موقف الحساب، وفي جنّات النعيم.
وهذه إحدى السّنن الرّبّانية الحكيمة في التفاضل بين العباد، القائم على القوانين القدريّة الجبريّة.
دلّنا على هذه المفاهيم من الآية هنا ترتيب التكليف على الامتنان بالاصطفاء الخاص، وتدلّ عليها أيضا نصوص أخرى موزعة في القرآن المجيد.
وبعدها جاء قول اللّه عزّ وجلّ في السورة:
* وَكَتَبْنا لَهُ فِي الْأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْها بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها سَأُرِيكُمْ دارَ الْفاسِقِينَ (145) :
يحدّث اللّه عزّ وجلّ عن نفسه بضمير المتكلّم العظيم، أنّه كتب لموسى في الألواح من كلّ شيء موعظة، وكتب له تفصيلا لكلّ شيء، وكتابة اللّه في الألواح تتمّ بأمر التكوين.
اللّوح: كلّ صفيحة عريضة من خشب أو عظم أو غير ذلك، كصفائح الحجارة.
جاء في سفر الخروج عند أهل الكتاب أنّهما كانا لوحين من حجارة.