معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 560
في جنّات النّعيم، أَفلا يثيب اللّه الكافرين على أعمالهم الصالحة يوم الدّين كما يثيب المؤمنين؟؟
والجواب: هؤلاء لم يعملوا أعمالهم الصّالحة ابتغاء مرضاة اللّه، وطلبا لثواب الآخرة، بل عملوها لتحقيق مصالح لهم في الحياة الدنيا، ومنها ستر جرائمهم، أو عملوها لتجميع الأنصار والأعوان، أو لكسب الشّهرة والمدح والثناء بين الناس، فهي بالنّسبة إلى الآخرة أعمال باطلة لا قيمة لها، لأنّها غير قائمة على القاعدة الإيمانية، وثواب الآخرة لا يتحقّق إلّا على أساس من القاعدة الإيمانية التي منها الإيمان باللّه، والتّصديق بآياته، والعمل بوصايا اللّه فيها، والإيمان بلقاء اللّه يوم الدّين للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء.
أمّا الحياة الدّنيا فللّه فيها سنن حكيمة، فمن عمل فيها صالحا بقصد تحقيق مصالح له فيها، أجرى اللّه له من سننه ما يحقّق له من المصالح على مقدار ما قدّم من عمل صالح. ومن عمل فيها عملا صالحا، بقصد أن ينال الشّهرة والمدح والثّناء بين الناس، أجرى اللّه له من سننه، ما يحقّق له من الشّهرة والمدح والثناء، على مقدار ما قدّم من عمل صالح نافع، وهذا خاضع لسنن الأسباب والمسّبات في الدنيا.
والآية الّتي نتدبّرها تبيّن، أنّ الّذين كذّبوا بآيات اللّه، وكذّبوا بلقائه يوم الدّين، تكون أعمالهم الصالحة الّتي كانوا قد عملوها في الحياة الدنيا، باطلة لا قيمة لها عند اللّه يوم الدّين، إذ لم تكن غايتهم نيل ثواب الآخرة، بل نيل ثواب الدّنيا، ولو كانت غايتهم نيل ثواب الآخرة لحقّقوا في أنفسهم الشّرط اللّازم لنواله، وهو الإيمان بآيات اللّه، والإيمان بلقاء ربّهم يوم الدين، ومعلوم أنّ هذا الإيمان يدفع إلى العمل الصالح ابتغاء مرضاة اللّه، والظفر بثوابه العظيم يوم الدين.