فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 566
راجت عند معظمهم قائلين: هذا إلهكم وإله موسى، وإنّ موسى لمّا ذهب لمناجاته نسي مكانه، فهو تائه عنه، فاجتمعوا يعكفون عليه ويرقصون حوله.
فنهاهم هارون عليه السّلام، وقال لهم: يا قوم إنّما فتنتم به، وإنّ ربّكم الرّحمن، فاتّبعوني وأطيعوا أمري.
فقالوا له: لن نبرح عليه عاكفين حتّى يرجع إلينا موسى، فشدّد عليهم، فلم يستجيبوا له، ودفعوه عنهم بالقوّة، وكادوا يقتلونه.
وأعلم اللّه عزّ وجلّ موسى عليه السّلام بما فعل قومه من بعده، في غيابه عنهم، من اتّخاذهم العجل الذهبيّ إلها وثنا يعبدونه، فغضب في نفسه منهم وممّا صنعوا.
ولمّا رجع إليهم ورأى بعينيه العجل الذهبيّ الّذي اتّخذوه، استشاط غضبا وحزنا، وقال لقومه: بئسما خلفتموني من بعدي، أمن أجل عشر ليال زادت في ميقات ربّي لعبت بكم الظّنون، واتّخذتم وثنا إلها، وألقى الألواح، وأخذ عليه السّلام يحاسب أخاه بعنف إذ لم يكن قويّا حازما معهم، فاعتذر هارون بأعذار صحيحة أبان له فيها أنّه لم يستطع أن يردّهم عمّا فعلوا، فقبل موسى عذر أخيه دون أن يكون على قناعة تامّة، ودعا ربّه أن يغفر له ولأخيه وأن يدخلهما في رحمته، وأثنى عليه بأنّه أرحم الراحمين.
ولمّا هدأ غضبه أخذ الألواح بعد أن كان ألقاها في الأرض عند شدّة غضبه، وقام بتحريق العجل ونسفه في اليم، وطرد السّامريّ من بين قومه، وترتيب رحلة الاعتذار والتوبة مع سبعين رجلا اختارهم من قومه إلى المكان الذي ناجى به ربّه في الرحلة السابقة الّتي كتب اللّه له فيها الألواح.