فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 4، ص: 570
والرّؤية هنا أيضا رؤية فكريّة عقليّة.
وهذا البيان موجّه أيضا لكلّ متّخذي الأوثان، في كلّ العصور والأزمان. وقد استغلّت المناسبة لتقديمه، حتّى تكون القصص القرآنيّة ذات هدف توجيهي لكلّ من يستمع إليها.
اتَّخَذُوهُ وَكانُوا ظالِمِينَ: أي: اتّخذوا العجل إلها مشركين ظالمين، وكانوا قبل اتّخاذه ظالمين في أعماق نفوسهم، لأنّهم لم يكونوا قد تحرّروا بعد من مفهومات الشّرك والتعلّق بالأوثان، على الرغم من كلّ ما شهدوه من معجزات وخوارق عادات، ضدّ شركيّات فرعون وقومه، وعلى الرّغم من نهي موسى المشدّد لهم عن اتّخاذ آلهة من الأصنام.
*** قول اللّه تعالى:
وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَيَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (149) :
* وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ: قال المفسّرون: أي: وحين ندموا وتحيّروا. قال الزّجّاج: هو نظم لم يسمع قبل القرآن ولم تعرفه العرب.
وقال عبد الملك بن سراج: هذا القول ممّا أعياني معناه.
أقول: هذه العبارة كناية بديعة عن ندمهم وشدّة خوفهم، وأصلها أنّ الّذي يسقط في أيدي المجرمين بسرعة وعنف، هي الأغلال والأصفاد والقيود الّتي يساقون بها لمعاقبتهم، وحين تكون هذه من الحديد الثقيل فإنّها قد تسقطهم إلى الأرض، فيكونون بذلك نادمين ساكنين، لا يملكون إلّا الاعتراف بجرائمهم.